تفسير الميزان ج۸
34و قوله: {لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ} إلخ، اللام للقسم و جوابه هو قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} إلخ، لما كان مورد كلام إبليس - و هو في صورة التهديد بالانتقام هو بني آدم و أنه سيبطل غرض الخلقة فيهم و هو كونهم شاكرين أجابه تعالى بما يفعل بهم و به فقال: {لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ} محاذاة لكلامه ثم قال: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} أي منك و منهم فأشركه في الجزاء معهم.
و قد امتن تعالى في كلمته هذه التي لا بد أن تتم فلم يذكر جميع من تبعه بل أتى بقوله: {مِنْكُمْ} و هو يفيد التبعيض.
قوله تعالى: {وَ يَا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ} إلى آخر الآية. خص بالخطاب آدم (عليه السلام) و ألحق به في الحكم زوجته، و قوله: {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} توسعة في إباحة التصرف إلا ما استثناه بقوله: {وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ} و الظلم هو الظلم على النفس دون معصية الأمر المولوي فإن الأمر إرشادي.
قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطَانُ} إلى آخر الآية. الوسوسة هي الدعاء إلى أمر بصوت خفي، و المواراة ستر الشيء بجعله وراء ما يستره، و السوآة جمع السوأة و هي العضو الذي يسوء الإنسان إظهاره و الكشف عنه، و قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ} إلخ، أي إلا كراهة أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.
و الملك و إن قرئ بفتح اللام إلا أن فيه معنى الملك بالضم فالسكون و الدليل عليه قوله في موضع آخر: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلىَ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لاَ يَبْلىَ}: طه: ١٢٠.
و نقل في المجمع عن السيد المرتضى رحمه الله احتمال أن يكون المراد بقوله: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ} إلخ، أنه أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة الملائكة خاصة و الخالدون دونهما فيكون كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا، و إنما يريد أن المنهي إنما هو فلان دونك، و هذا أوكد في الشبهة و اللبس عليهما (انتهى). لكن آية سورة طه المنقولة آنفا تدفعه.
قوله تعالى: {وَ قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ اَلنَّاصِحِينَ} المقاسمة المبالغة في القسم أي حلف لهما

