تفسير الميزان ج۷
92على أن فتح الباب إنما يناسب بحسب الطبع الحسنات و النعم و أما السيئات و النقم فإنما تتحقق بالمنع و يناسبها سد الباب كما يلمح إليه قوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَ مَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} (فاطر: ٢).
و مبلسون من أبلس إبلاسا، قال الراغب: الإبلاس الحزن المعترض من شدة اليأس -إلى أن قال- و لما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت و ينسى ما يعنيه، قيل: أبلس فلان إذا سكت و إذا انقطعت حجته، انتهى. و على هذا المعنى المناسب لقوله: {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} أي خامدون منقطعوا الحجة.
و معنى الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به أو أعرضوا عنه آتيناهم من كل نعمة استدراجا حتى إذا تمت لهم النعم و فرحوا بما أوتوا منها أخذناهم فجأة فانخمدت أنفاسهم و لا حجة لهم لاستحقاقهم ذلك.
قوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ} دبر الشيء مقابل قبله و هما الجزءان: المقدم و المؤخر من الشيء، و لذا يكنى بهما عن العضوين المخصوصين، و ربما توسع فيهما فأطلقا على ما يلي الجزء المقدم أو المؤخر فينفصلان عن الشيء، و قد اشتق منهما الأفعال بحسب المناسبة نحو أقبل و أدبر و قبل و دبر و تقبل و تدبر و استقبل و استدبر، و من ذلك اشتقاق دابر بمعنى ما يقع خلف الشيء و يليه من ورائه، و يقال: أمس الدابر أي الواقع خلف اليوم كما يقال: عام قابل، و يطلق الدابر بهذا المعنى على أثر الشيء كدابر الإنسان على أخلافه و سائر آثاره، فقوله: {فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي إن الهلاك استوعبهم فلم يبق منهم عينا و لا أثرا أو أبادهم جميعا فلم يخلص منهم أحد كما قال تعالى: {فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} (الحاقة: ٨).
و وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} دون أن يقال: دابرهم للدلالة على سبب الحكم و هو الظلم الذي أفنى جمعهم و قطع دابرهم، و هو مع ذلك يمهد السبيل إلى إيراد قوله: {وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ}.
و من هذه الآية بما تشتمل على وصفهم بالظلم و على حمده تعالى بربوبيته تتحصل الدلالة على أن اللوم و السوء في جميع ما حل بهم من عذاب الاستئصال يرجع إليهم لأنهم القوم الذين ظلموا، و أنه لا يعود إليه تعالى إلا الثناء الجميل لأنه لم يأت في تدبير

