تفسير الميزان ج۷
89المشهود من حال الإنسان عند ما تغشاه الشدائد و الخطوب إذ يشتغل بنفسه و ينسى كل أمر دونها إلا الله سبحانه فلا موجب للالتزام بما ذكره بعضهم: أن المراد بقوله: {وَ تَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} تعرضون عنها إعراض من نسي الشيء عنه.
و إن كان لا مانع من ذلك لكونه من المجازات الشائعة لكلمة النسيان، و قد استعمل في القرآن النسيان بمعنى الإعراض عن الشيء و عدم الاعتناء به كثيرا كما قال تعالى: {وَ قِيلَ اَلْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} (الجاثية: ٣٤) إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَ اَلضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} البأساء و البأس و البؤس هو الشدة و المكروه، إلا أن البؤس يكثر استعماله في الحرب و نحوه و البأس و البأساء في غيره كالفقر و الجدب و القحط و نحوها، الضر و الضراء هو سوء الحال فيما يرجع إلى النفس كغم و جهل أو ما يرجع إلى البدن كمرض و نقص بدني أو ما يرجع إلى غيرهما كسقوط جاه أو ذهاب مال، و لعل المقصود من الجمع بين البأساء و الضراء الدلالة على تحقق الشدائد في الخارج كالجدب و السيل و الزلزلة، و ما يعود إلى الناس من قبلها من سوء الحال كالخوف و الفقر و رثاثة الحال.
و الضراعة هي المذلة و التضرع التذلل و المراد به التذلل إلى الله سبحانه لكشف ما نزل عليهم من نوازل الشدة و الرزية.
و الله سبحانه يذكر لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) في هذه الآية و ما يتلوها إلى تمام أربع آيات سنته في الأمم التي من قبله إذ جاءتهم رسلهم بالبينات: أنه كان يرسل إليهم الرسل فيذكرونهم بتوحيد الله سبحانه و التضرع و إخلاص الإنابة إليه ثم يبتليهم بأنواع الشدة و المحن و يأخذهم بالبأساء و الضراء و لكن بمقدار لا يلجئهم إلى التضرع و لا يضطرهم إلى الابتهال و الاستكانة لعلهم يتضرعون إليه بحسن اختيارهم، و يلين قلوبهم فيعرضوا عن التزيينات الشيطانية و عن الإخلاد إلى الأسباب الظاهرية لكنهم لم يتضرعوا إليه بل أقسى الاشتغال بأعراض الدنيا قلوبهم و زين لهم الشيطان أعمالهم، و أنساهم ذلك ذكر الله.
فلما نسوا ذكر الله سبحانه فتح الله عليهم أبواب كل شيء و صب عليهم نعمه المتنوعة صبا حتى إذا فرحوا بما عندهم من النعم و اغتروا و استقلوا بأنفسهم من دون الله

