تفسير الميزان ج۷
84الظلمات بهم لا يسعهم أن يبصروا طريق الحق فيتخذوه طريقا.
و في قوله تعالى: {مَنْ يَشَأِ اَللَّهُ يُضْلِلْهُ} إلخ، دلالة على أن هذا الصمم و البكم و الوقوع في الظلمات إنما هي رجز وقع عليهم منه تعالى جزاء لتكذيبهم بآيات الله فإن الله سبحانه جعل إضلاله المنسوب إليه من قبيل الجزاء، كما في قوله: {وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ} (البقرة: ٢٦).
فتكذيب آيات الله غير مسبب عن كونهم صما بكما في الظلمات بل الأمر بالعكس و على هذا فالمراد بالإضلال بحسب الانطباق على المورد هو جعلهم صما بكما في الظلمات و المراد بمن شاء الله ضلاله هم الذين كذبوا بآياته.
و بالمقابلة يظهر أن المراد بالجعل على صراط مستقيم هو أن يعطيه سمعا يسمع به فيجيب داعي الله بلسانه و يتبصر بالحق ببصره، و أن هذا جزاء من لا يكذب بآيات الله سبحانه فمن يشأ الله يضلله و لا يشاء إلا إضلال من يستحقه و من يشأ يجعله على صراط مستقيم و لا يشاء ذلك إلا لمن تعرض لرحمته.
و قد تقدم البحث عن حقيقة معنى ما يصفهم الله تعالى به من الصمم و البكم و العمى و ما يشابه ذلك من الصفات، و قد عني في الآية بنكتة أخرى، و هي ما يفيده الوصل و الفصل في قوله: {صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي اَلظُّلُمَاتِ} حيث ذكر الصمم و هو من أوصافهم ثم ذكر البكم و عطفه عليه و هو صفة ثانية، ثم ذكر كونهم في الظلمات و لم يعطفها و هي صفة ثالثة، و بالجملة وصل بعض الصفات و فصل بعضها، و قد أتى في مثل الآية بحسب المعنى بالفصل أعني قوله في المنافقين: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} (البقرة: ١٨) و في آية أخرى يماثلها بالعطف و هي قوله في الكفار: {خَتَمَ اَللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} (البقرة: ٧).
و لعل النكتة في الآية التي نحن فيها أعني قوله: {صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي اَلظُّلُمَاتِ}، الإشارة إلى كون من هم صم غير الذين هم بكم فالصم هم الجهلاء المقلدون الذين يتبعون كبراءهم فلا يدع لهم ذلك سمعا يسمعون به الدعوة الحقة، و البكم هم العظماء المتبوعون الذين لهم علم بصحة الدعوة إلى التوحيد و بطلان الشرك، غير أنهم لعنادهم و بغيهم بكم

