تفسير الميزان ج۷
82بيان كل ما يتوقف على معرفته سعادة الناس في دنياهم و آخرتهم كما قال تعالى: {وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل: ٨٩).
و مما يجب أن يعرفه الناس في سبيل تفقه أمر المعاد أن يتبينوا كيفية ارتباط الحشر و هو البعث يوم القيامة على نهج الاجتماع بالتشكل الأممي في الدنيا، و أن ذلك هو الذي يجدونه بين أنفسهم و يجدونه بين سائر الأنواع الحيوانية، و يترتب عليه دون ذلك فوائد أخرى كالتبصر في توحيد الله تعالى و لطيف قدرته و عنايته بأمر الخليقة و النظام العام الجاري في العالم، و من أهم فوائده معرفة أن الموجود آخذ في سلسلته من النقص إلى الكمال، و بعض قطعاتها المشتملة على حلقات الحيوان الشامل للإنسان و ما دونه مراتب مختلفة مترتبة آخذة من المراتب القاطنة في أفق النبات إلى المراتب المجاورة لمرتبة الإنسان ثم الإنسان.
و قد ندب الله سبحانه الناس إلى معرفة الحيوان و النظر في الآيات المودعة في وجوده أبلغ الندب، و عد ذلك موصلا إلى أفضل النتائج العلمية الملازمة للسعادة الإنسانية و هو اليقين بالله سبحانه حيث قال: {وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الجاثية: ٤) و الآيات في الحث على النظر في أمر الحيوان كثيرة في القرآن الكريم.
و من الممكن أن يشار في الآية إلى كلا المعنيين فيراد في الكتاب مطلق الكتاب، و يكون المعنى أن الله سبحانه لا يفرط فيما يكتب من شيء، أما في كتاب التكوين فإنه يقضي و يقدر لكل نوع ما في استحقاقه أن يناله من كمال الوجود كالأنواع الحيوانية هيأ لكل منها من سعادة الحياة الأممية الاجتماعية ما هيأه للإنسان لما رأى من صلوحها لذلك فلم يفرط في أمرها، و أما في كتابه الذي هو كلامه الموحى إلى الناس فإنه يبين فيه ما في معرفته خير الناس و سعادة عاجلهم و آجلهم و لا يفرط في ذلك، و من ذلك أنه لم يفرط في أمر الأمم الحيوانية، و بين في هذه الآية حقيقة ما وهبه لها من نوع السعادة الوجودية التي جعلتهم أمما حية سائرة بوجودها إلى الله سبحانه محشورة إليه كالإنسان.
و قوله تعالى: {ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} بيان لعموم الحشر لهم و أن حياتهم الموهوبة نوع حياة تستتبع الحشر إلى الله كما أن الحياة الإنسانية كذلك، و لذلك أرجع الضمير المستعمل في أولي الشعور و العقل، فقال: {إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} إشارة إلى

