تفسير الميزان ج۷
76هذه و جوه من السؤال تسبق إلى ذهن الباحث في هذا الموقف:
أما السؤال الأول (هل للحيوان غير الإنسان حشر؟) فقوله تعالى في الآية: {ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} يتكفل الجواب عنه، و يقرب منه قوله تعالى: {وَ إِذَا اَلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} (كورت: ٥).
بل هناك آيات كثيرة جدا دالة على إعادة السماوات و الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجن و الحجارة و الأصنام و سائر الشركاء المعبودين من دون الله، و الذهب و الفضة حيث يحمى عليهما في نار جهنم فتكوى بها جباه مانعي الزكاة و جنوبهم إلى غير ذلك في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها، و الروايات في هذه المعاني لا تحصى كثرة.
و أما السؤال الثاني، و هو أنه هل يماثل حشره حشر الإنسان فيبعث و تحضر أعماله و يحاسب عليها فينعم أو يعذب بها فجوابه أن ذلك لازم الحشر بمعنى الجمع بين الأفراد و سوقهم إلى أمر بالإزعاج، و أما مثل السماء و الأرض و ما يشابههما من شمس و قمر و حجارة و غيرها فلم يطلق في موردها لفظ الحشر كما في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمَاوَاتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ} (إبراهيم: ٤٨) و قوله: {وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ اَلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (الزمر: ٦٧) و قوله: {وَ جُمِعَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ} (القيامة: ٩) و قوله: {إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} (الأنبياء: ٩٩).
على أن الملاك الذي يعطيه كلامه تعالى في حشر الناس هو القضاء الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه من الحق قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (السجدة: ٢٥) و قوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (آل عمران: ٥٥) و غير ذلك من الآيات.
و مرجع الجميع إلى إنعام المحسن و الانتقام من الظالم بظلمه كما ذكره في قوله: {إِنَّا مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} (السجدة: ٢٢) و قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اَللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ ذُو اِنتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمَاوَاتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ} (إبراهيم: ٤٨) و هذان الوصفان أعني الإحسان و الظلم موجودان في أعمال الحيوانات في الجملة.

