تفسير الميزان ج۷
73(كلام في المجتمعات الحيوانية)
و الخطاب في الآية للناس، و قد ذكر فيها أن الحيوانات أرضية كانت أو هوائية هي أمم أمثال الناس، و ليس المراد بذلك كونها جماعات ذوات كثرة و عدد فإن الأمة لا تطلق على مجرد العدد الكثير بل إذا جمع ذلك الكثير جامع واحد من مقصد اضطراري أو اختياري يقصده أفراده، و لا أن المراد مجرد كونها أنواعا شتى كل نوع منها يشترك أفراده في نوع خاص من الحياة و الرزق و السفاد و النسل و المأوى و سائر الشئون الحيوية فإن هذا المقدار من الاشتراك و إن صحح الحكم بمماثلتها الإنسان لكن قوله في ذيل الآية: {ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} يدل على أن المراد بالمماثلة ليس مجرد التشابه في الغذاء و السفاد و الإواء بل هناك جهة اشتراك أخرى تجعلها كالإنسان في ملاك الحشر إلى الله، و ليس ملاك الحشر إلى الله في الإنسان إلا نوعا من الحياة الشعورية التي تخد للإنسان خدا إلى سعادته و شقائه، فإن الفرد من الإنسان يمكن أن ينال في الدنيا ألذ الغذاء و أوفق النكاح و أنضر المسكن و لا يكون مع ذلك سعيدا في حياته لما ينكب عليه من الظلم و الفجور أو أن يحيط به جماع المحن و الشدائد و البلايا و هو سعيد في حياته مبتهج بكمال الإنسانية و نور العبودية.
بل حياة الإنسان الشعورية و إن شئت فقل: الفطرة الإنسانية و ما يؤيدها من دعوة النبوة تسن للإنسان سنة مشروعة من الاعتقاد و العمل إن أخذ بها و جرى عليها و وافقه المجتمع عليه سعد في الحياتين: الدنيا و الآخرة، و إن استن بها وحده سعد بها في الآخرة أو في الدنيا و الآخرة معا، و إن لم يعمل بها و تخلف عن الأخذ ببعضها أو كلها كان في ذلك شقاؤه في الدنيا و الآخرة.
و هذه السنة المكتوبة له تجمعها كلمتان: البعث إلى الخير و الطاعة، و الزجر عن الشر و المعصية، و إن شئت قلت: الدعوة إلى العدل و الاستقامة، و النهي عن الظلم و الانحراف عن الحق فإن الإنسان بفطرته السليمة يستحسن أمورا هي العدل في نفسه أو غيره، و يستقبح أمورا هي الظلم على نفسه أو غيره ثم الدين الإلهي يؤيدها و يشرح له تفاصيلها.
و هذا محصل ما تبين لنا في كثير من الأبحاث السابقة، و كثير من الآيات القرآنية

