تفسير الميزان ج۷
71الشفاعة فإله الحرب أو السلم له ما يدبره من الأمر من غير أن يختل تدبيره من ناحية غيره، و كذلك إله البر و إله البحر و إله الحب و إله البغض و سائر الآلهة، فلا يبقى لله سبحانه شأن يتصرف فيه فقد قسم الأمر بين أعضاده و إن كان هؤلاء شفعاءه و هو رب الأرباب، فليس يسعه تعالى أن يبطل أمر آلهتهم بإنزال آية تدل على نفي ألوهيتها.
و كان يحضهم على هذه المزعمة و يؤيد هذا الاعتقاد في قلوبهم ما كانوا يتلقونه من يهود الحجاز أن يد الله مغلولة لا سبيل له إلى تغيير شيء من النظام الجاري، و خرق العادة المألوفة في عالم الأسباب.
و ثانيهما: أن الآيات النازلة من عند الله سبحانه إذا كانت مما خص الله به رسولا من رسله من غير أن يقترحه الناس فإنما هي بينات تدل على صحة دعوى الرسول من غير أن يستتبع محذورا للناس المدعوين كالعصا و اليد البيضاء لموسى و إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و خلق الطير لعيسى، و القرآن الكريم لمحمد (صلى الله عليه وآله و عليهم).
لكن الآية لو كانت مما اقترحها الناس فإن سنة الله جرت على القضاء بينهم بنزولها فإن آمنوا بها و إلا نزل عليهم العذاب و لم ينظروا بعد ذلك كآيات نوح و هود و صالح و غير ذلك، و في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك، كقوله تعالى: {وَ قَالُوا لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ} (الأنعام: ٨) و قوله: {وَ مَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنَا ثَمُودَ اَلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا}(الإسراء: ٥٩).
و قد أشير في الآية الكريمة أعني قوله: {وَ قَالُوا لَوْ لاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اَللَّهَ قَادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، إلى الجهتين جميعا.
فذكر أن الله قادر على أن ينزل أي آية شاء، و كيف يمكن أن يفرض من هو مسمى باسم «الله» و لا تكون له القدرة المطلقة، و قد بدل في الجواب لفظة «الرب» إلى اسم «الله» للدلالة على برهان الحكم، فإن الألوهية المطلقة تجمع كل كمال من غير أن تحد بحد أو تقيد بقيد فلها القدرة المطلقة، و الجهل بالمقام الألوهي هو الذي بعثهم إلى اقتراح الآية بداعي التعجيز.
على أنهم جهلوا أن نزول ما اقترحوه من الآية لا يوافق مصلحتهم، و أن اجتراءهم

