تفسير الميزان ج۷
7الآيتين، السابقتين و التمهيد لبيان علمه بسر الإنسان و جهره و ما تكسبه نفسه.
فقوله: {خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمَاتِ وَ اَلنُّورَ} إشارة إلى نظام الكون العام الذي عليه تدبر الأشياء على كثرتها و تفرقها في عالمنا في نظامه الجاري المحكم إلا عالم الأرض الذي يحيط به عالم السماوات على سعتها ثم يتصرف بها بالنور و الظلمات اللذين عليهما يدور رحى العالم المشهود في تحوله و تكامله فلا يزال يتولد شيء من شيء، و يتقلب شيء إلى شيء، و يظهر واحد و يخفى آخر، و يتكون جديد و يفسد قديم، و ينتظم من تلاقي هذه الحركات المتنوعة على شتاتها الحركة العالمية الكبرى التي تحمل أثقال الأشياء، و تسير بها إلى مستقرها.
و الجعل في قوله: {وَ جَعَلَ اَلظُّلُمَاتِ} إلخ، بمعنى الخلق غير أن الخلق لما كان مأخوذا في الأصل من خلق الثوب كان التركيب من أجزاء شتى مأخوذا في معناه بخلاف الجعل، و لعل هذا هو السبب في تخصيص الخلق بالسماوات و الأرض لما فيها من التركيب بخلاف الظلمة و النور، و لذا خصا باستعمال الجعل، و الله أعلم.
و قد أتى بالظلمات بصيغة الجمع دون النور، و لعله لكون الظلمة متحققة بالقياس إلى النور فإنها عدم النور فيما من شأنه أن يتنور فتتكثر بحسب مراتب قربه من النور و بعده بخلاف النور فإنه أمر وجودي لا يتحقق بمقايسته إلى الظلمة التي هي عدمية، و تكثيره تصورا بحسب قياسه التصوري إلى الظلمة لا يوجب تعدده و تكثره حقيقة.
قوله تعالى: {ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} مسوق للتعجب المشوب بلوم أي إن الله سبحانه بخلقه السماوات و الأرض و جعله الظلمات و النور متوحد بالألوهية متفرد بالربوبية لا يماثله شيء و لا يشاركه، و من العجب أن الذين كفروا مع اعترافهم بأن الخلق و التدبير لله بحقيقة معنى الملك دون الأصنام التي اتخذوها آلهة يعدلون بالله غيره من أصنامهم و يسوون به أوثانهم فيجعلون له أندادا تعادله بزعمهم فهم ملومون على ذلك.
و بذلك يظهر وجه الإتيان بثم الدال على التأخير و التراخي فكأن المتكلم لما وصف تفرده بالصنع و الإيجاد و توحده بالألوهية و الربوبية ذكر مزعمة المشركين و أصحاب الأوثان أن هذه الحجارة و الأخشاب المعمولة أصناما يعدلون بها رب العالمين فشغله التعجب

