تفسير الميزان ج۷
67إلى آخر الآية على ما سيجيء من معناها.
قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَ اَلْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (الآية) كالبيان لقوله: {وَ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} إلى آخر الآية فإن ملخصه أنك لا تستطيع صرفهم عن هذا الإعراض، و الحصول على آية تسوقهم إلى الإيمان، فبين في هذه الآية أنهم بمنزلة الموتى لا شعور لهم و لا سمع حتى يشعروا بمعنى الدعوة الدينية و يسمعوا دعوة الداعي و هو النبي (صلى الله عليه وآله و سلم).
فهذه الهياكل المتراءات من الناس صنفان: صنف منهم أحياء يسمعون، و إنما يستجيب الذين يسمعون، و صنف منهم أموات لا يسمعون و إن كانوا ظاهرا في صور الأحياء و هؤلاء يتوقف سمعهم الكلام على أن يبعثهم الله، و سوف يبعثهم فيسمعون ما لم يستطيعوا سمعه في الدنيا كما حكاه الله عنهم بقوله: {وَ لَوْ تَرى إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَ سَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} (السجدة: ١٢)
فالكلام مسوق سوق الكناية، و المراد بالذين يسمعون المؤمنون و بالموتى المعرضون عن استجابة الدعوة من المشركين و غيرهم، و قد تكرر في كلامه تعالى وصف المؤمنين بالحياة و السمع، و وصف الكفار بالموت و الصمم كما قال تعالى: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}(الأنعام: ١٢٢) و قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى وَ لاَ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَ مَا أَنْتَ بِهَادِي اَلْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ}(النمل: ٨١) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
و قد تكرر في بعض الأبحاث السابقة معنى آخر لهذه الأوصاف التي حملها الجمهور من المفسرين على الكناية و التشبيه، و أن لها معنى من الحقيقة فليراجع.
و في الآية دلالة على أن الكفار و المشركين سيفهمهم الله الحق و يسمعهم دعوته في الآخرة كما فهم المؤمنين و أسمعهم في الدنيا، فالإنسان مؤمنا كان أو كافرا لا مناص له عن فهم الحق عاجلا أو آجلا.

