تفسير الميزان ج۷
66{وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} (الرعد: ٢٧) أي انعطف و رجع إليه، و أما الفاسق الزائغ قلبه المخلد إلى الأرض المائل إلى الغواية فإن الله لا يشاء هدايته و لا يغشاه برحمته كما قال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ} (البقرة: ٢٦) و قال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف: ٥) و قال: {وَ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَ لَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوَاهُ} (الأعراف: ١٧٦).
و بالجملة فالدعوة الدينية لا تسلك إلا سبيل الاختيار، و الآيات الإلهية لا تنزل إلا مع مراعاة الاختيار، و لا يهدي الله سبحانه إليه إلا من تعرض لرحمته و استعد لهدايته من طريق الاختيار.
و بهذا تنحل شبهة أخرى لا تخلو عن إعضال، و هي أنا سلمنا أن إنزاله تعالى آية تجبرهم على الإيمان و تضطرهم إلى قبول الدعوة الدينية ينافي أساس الاختيار الذي تبتني عليه بنية الدعوة الدينية لكن لم لا يجوز أن يشاء الله إيمان الناس جميعا على حد مشيته إيمان من آمن منهم بأن يشاء من الجميع أن يشاءوا كما شاء من المؤمنين خاصة أن يشاءوا ثم ينزل آية تسوقهم إلى الهدى، و تلبسهم الإيمان من غير أن يبطل بذلك اختيارهم و حريتهم في العمل.
و ذلك أنه و إن أمكن ذلك بالنظر إلى نفسه لكنه ينافي الناموس العام في عالم الأسباب، و نظام الاستعداد و الإفاضة فالهدى إنما يفاض على من اتقى الله و زكى نفسه و قد أفلح من زكاها و لا يصيب الضلال إلا من أعرض من ذكر ربه و دس نفسه و قد خاب من دساها، و أصابه الضلال هو أن يمنع الإنسان الهدى قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَ مَنْ أَرَادَ اَلْآخِرَةَ وَ سَعى لَهَا سَعْيَهَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَ هَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَ مَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} (الإسراء: ٢٠) أي ممنوعا فالله سبحانه يمد كل نفس من عطائه بما يستحقه فإن أراد الخير أوتيه و إن أراد الشر أوتيه أي منع من الخير، و لو شاء الله لكل نفس صالحة أو طالحة أن تشاء الخير و تنكب على الإيمان و التقوى من طريق الاختيار كان في ذلك إبطال النظام العام و إفساد أمر الأسباب.
و تؤيد ما ذكر الآية التالية أعني قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ يَسْمَعُونَ}

