تفسير الميزان ج۷
53و أما نفس الحق الذي كفروا به في الدنيا مع ظهوره لهم فهو كان بادئا لهم من قبل و السياق يأبى أن يكون مجرد ظهور الحق لهم مع الغض عن ظهور النار و هول يوم القيامة باعثا لهم على هذا التمني.
و يشعر بذلك بعض ما في نظير المقام من كلامه تعالى كقوله: {وَ إِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ وَ اَلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا اَلسَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَ مَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وَ بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَ حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} (الجاثية: ٣٣)، و قوله: {وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ اَلْعَذَابِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ بَدَا لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَ بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَ حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} (الزمر: ٤٨).
و قد ذكروا في الآية أعني قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} وجوها كثيرة أنهاها في المنار إلى تسعة أوجه قال:« و فيه أقوال: الأول أنه أعمالهم السيئة و قبائحهم الشائنة ظهرت لهم في صحائفهم، و شهدت بها عليهم جوارحهم.
الثاني: أنه أعمالهم التي كانوا يفترون بها و يظنون أن سعادتهم فيها إذ يجعلها الله تعالى هباء منثورا.
الثالث: أنه كفرهم و تكذيبهم الذي أخفوه في الآخرة من قبل أن يوقفوا على النار كما تقدم حكايته عنهم في قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَ اَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}.
الرابع: أنه الحق أو الإيمان الذي كانوا يسرونه و يخفونه بإظهار الكفر و التكذيب عنادا للرسول و استكبارا عن الحق، و هذا إنما ينطبق على أشد الناس كفرا من المعاندين المتكبرين الذين قال في بعضهم: {وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اِسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا}.
الخامس: أنه ما كان يخفيه الرؤساء عن أتباعهم من الحق الذي جاءت به الرسل بدا للأتباع الذين كانوا مقلدين لهم، و منه كتمان بعض أهل الكتاب لرسالة نبينا (صلى الله عليه وآله و سلم) و صفاته و بشارة أنبيائهم به.

