تفسير الميزان ج۷
52قوله تعالى: {وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ} ينهون عنه أي عن اتباعه، و النأي الابتعاد، و القصر في قوله: {وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} من قصر القلب، فإنهم كانوا يحسبون أن النهي عنه و النأي عنه إهلاك له و إبطال للدعوة الإلهية، و يأبى الله إلا أن يتم نوره فهم هم الهالكون من حيث لا يشعرون.
قوله تعالى: {وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى اَلنَّارِ} إلى آخر الآيتين. بيان لعاقبة جحودهم و إصرارهم على الكفر و الإعراض عن آيات الله تعالى.
و قوله: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَ لاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} إلخ، على قراءة النصب في {نُكَذِّبَ} و {نَكُونَ} تمن منهم للرجوع إلى الدنيا و الانسلاك في سلك المؤمنين ليخلصوا به من عذاب النار يوم القيامة، و هذا القول منهم نظير إنكارهم الشرك بالله و حلفهم بالله على ذلك كذبا من باب ظهور ملكاتهم النفسانية يوم القيامة فإنهم قد اعتادوا التمني فيما لا سبيل لهم إلى حيازته من الخيرات و المنافع الفائتة عنهم، و خاصة إذا كان فوتها مستندا إلى سوء اختيارهم و قصور تدبيرهم في العمل، و نظيره أيضا ما سيجيء من تحسرهم على ما فرطوا في أمر الساعة.
على أن التمني يصح في المحالات المتعذرة كما يصح في الممكنات المتعسرة كتمني رجوع الأيام الخالية و غير ذلك قال الشاعر:
ليت و هل ينفع شيئا ليت *** ليت الشباب بوع فاشتريت و قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} إلخ، ظاهر الكلام أن مرجع الضمائر أعني ضمائر {لَهُمْ} و {كَانُوا} و {يُخْفُونَ} واحد و هو المشركون السابق ذكرهم، و أن المراد بالقبل هو الدنيا فالمعنى أنه ظهر لهؤلاء المشركين حين وقفوا على النار ما كانوا هم أنفسهم يخفونه في الدنيا فبعثهم ظهور ذلك على أن تمنوا الرد إلى الدنيا، و الإيمان بآيات الله، و الدخول في جماعة المؤمنين.
و لم يبد لهم إلا النار التي وقفوا عليها يوم القيامة فقد كانوا أخفوها في الدنيا بالكفر و الستر للحق و التغطية عليه بعد ظهوره لهم كما يشير إليه نحو قوله تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ} (ق: ٢٢).

