تفسير الميزان ج۷
48فالظالم ربما دعته طاغية الشره إلى أن يستعمل ما له من العزة بالإثم و القدرة الكاذبة في الحصول على بغية و سعادة من غير طريقه المشروع، فيخالف الاعتقاد الحق لتوحيد الله سبحانه، أو ينازع الحقوق المشروعة فيتعدى إلى أموال الناس فيغصبها ظلما، أو إلى أعراض الناس فيهتك أستارهم عنوة، أو إلى دمائهم و نفوسهم فيتصرف فيها من غير حق أو يعصي في شيء من نواميس العبودية لله سبحانه بصلاة أو صوم أو حج أو غيرها، أو يقترف شيئا من الذنوب المتعلقة بذلك، كالكذب و الفرية و الخدعة و نحوها.
يأتي بشيء من ذلك و ربما أدرك ما قصده، و هو طيب النفس بما ظفر به من مطلوبه بحسب زعمه، و قد ذهب عن خسران صفقته و خيبة مسعاه في دنياه و آخرته.
أما في دنياه فلأن ما سلكه من الطريق إنما هو طريق الهرج و المرج و اختلال النظام إذ لو كان طريقا حقا لعم و لو عم أبطل النظام، و لو بطل النظام بطلت حياة المجتمع الإنساني فالنظام الذي يضمن بقاء النوع الإنساني كائنا ما كان ينازعه فيما حازه بعمله غير المشروع، و لا يزال على المنازعة حتى يفسد عليه مقتضى عمله و نتيجة سعيه المشئوم عاجلا أو على مهل و لن يدوم ظلمه البتة.
و أما في الآخرة فلأن ظلمه مكتوب في صحيفة عمله، و هو منقوش في لوح نفسه بما يورد عليها من الأثر ثم هو مجزي به عائش على وتيرته، و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله.
قال الله تعالى: {أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتَابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ اَلْعَذَابِ وَ مَا اَللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة: ٨٥)، و قال: {كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ اَلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ اَللَّهُ اَلْخِزْيَ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ لَعَذَابُ اَلْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(الزمر: ٢٦) و قال: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لاَ هُدىً وَ لاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُ فِي اَلدُّنْيَا خِزْيٌ وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ عَذَابَ اَلْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَ أَنَّ اَللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} (الحج: ١٠) إلى غير ذلك من الآيات و هي كثيرة.
و الآيات - كما ترى - تشمل المظالم الاجتماعية و الفردية فهي تصدق ما تقدم من

