تفسير الميزان ج۷
36فالقاهر من الأسماء التي تصدق عليه تعالى كما تصدق على غيره، غير أن بين قهره تعالى و قهر غيره فرقا، و هو أن غيره تعالى من الأشياء إنما يقهر بعضها بعضا و هما مجتمعان من جهة مرتبة وجودهما و درجة كونهما بمعنى أن النار تقهر الحطب على الاحتراق و الاشتعال، و هما معا موجودان طبيعيان يقتضي أحدهما بالطبع خلاف ما يقتضيه الآخر لكن النار أقوى في تحميل أثرها على الحطب منه من النار فهي تظهر عليه في تأثيرها بأثرها فيه.
و الله سبحانه قاهر لا كقهر النار الحطب، بل هو قاهر بالتفوق و الإحاطة على الإطلاق بمعنى أنا إذا نسبنا إحراق جسم و إشعاله كالحطب مثلا إلى الله سبحانه فهو سبحانه قاهر عليه بالوجود المحدود الذي أوجده به، قاهر عليه بالخواص و الكيفيات التي أعطاها له و عبأه بها بيده، قاهر عليه بالنار التي أوقدها لإحراقه و إشعاله، و هو المالك لجميع ما للنار من ذات و أثر، قاهر عليه بقطع عطية المقاومة للحطب، و وضع الاحتراق و الاشتعال موضعه فلا مقاومة و لا تعصي و لا جموح و لا شبه ذلك قبال إرادته و مشيته لكونها من أفق أعلى.
فهو تعالى قاهر على عباده لكنه فوقهم لا كقهر شيء شيئا و هما متزاملان. و قد صدق القرآن الكريم هذا البحث بنتيجته فذكره اسما له تعالى في موضعين من هذه السورة و هما هذه الآية و آية (٦١).
و قيد الاسم في كلا الموضعين بقوله: {فَوْقَ عِبَادِهِ} و الغالب في المحفوظ من موارد استعمال القهر هو أن يكون المغلوب من أولي العقل بخلاف الغلبة، و لذا فسره الراغب بالتذليل، و الذلة في أولي العقل أظهر، و لا يمنع ذلك من صحة صدقه في غير مورد أولي العقل بحسب الاستعمال أو بعناية.
و الله سبحانه قاهر فوق عباده يمسهم بالضر و بالخير و يذللهم لمطاوعته و قاهر فوق عباده فيما يفعلونه و يؤثرون به من أثر لأنه المالك لما ملكهم و القادر على ما عليه أقدرهم.
و لما نسب في الآيتين إليه المس بالضر و الخير، و قد ينسبان إلى غيره، ميز مقامه من مقام غيره بقوله في ذيل الآية: {وَ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ} فهو الحكيم لا يفعل ما يفعل جزافا و جهلا، الخبير لا يخطئ و لا يغلط كغيره.

