تفسير الميزان ج۷
35يطلع من أفق ذواتهم من أثر خيرا أو شرا ينتهي إلى أمره و مشيته و إذنه يستند إليه على ما يليق بساحة قدسه و عزته من الاستناد.
فالآيتان جميعا تتممان معنى واحدا، و هو أن ما يصيب الإنسان من خير أو شر فمن الله على ما يليق بساحته من الانتساب، فالله سبحانه هو المتوحد بالألوهية، و المتفرد بالمعبودية لا إله غيره، و لا معبود سواه.
و قد عبر عن إصابة الضر و الخير بالمس الدال على الحقارة في قوله: {إِنْ يَمْسَسْكَ} {وَ إِنْ يَمْسَسْكَ} ليدل به على أن ما يصيب الإنسان من ضر أو من خير شيء يسير مما تحمله القدرة غير المتناهية التي لا يقوم لها شيء، و لا يطيقها و لا يتحملها مخلوق محدود.
و كأن قوله تعالى في جانب الخير: {فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وضع موضع نحو من قولنا: فلا مانع يمنعه، ليدل على أنه تعالى قدير على كل خير مفروض كما أنه قدير على كل ضر مفروض، و تنكشف به علة قوله: {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} إذ لو كشف غيره تعالى شيئا مما مس به من ضر دفع ذلك قدرته عليه، و كذلك قدرته على كل شيء تقتضي أن لا يقوى شيء على دفع ما يمس به من خير.
و تخصيص ما يمس به من ضر أو خير بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في هذه الآية نظير التخصيص الواقع في قوله: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} و يفيد قوله: {وَ هُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} من التعميم نظير ما أفاد قوله: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ}.
قوله تعالى: {وَ هُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ} القهر هو نوع من الغلبة، و هو أن يظهر شيء على شيء فيضطره إلى مطاوعة أثر من الغالب يخالف ما للمغلوب من الأثر طبعا أو بنحوه من الافتراض كالماء يظهر على النار فيقهرها على الخمود، و النار تقهر الماء فتبخره أو تجفف رطوبته. و إذ كانت الأسباب الكونية إنما أظهرها الله سبحانه لتكون وسائط في حدوث الحوادث فتضع آثارها في مسبباتها، و هي كائنة ما كانت مضطرة إلى مطاوعة ما يريده الله سبحانه فيها و بها، يصدق عليها عامة أنها مقهورة لله سبحانه فالله قاهر عليها.

