تفسير الميزان ج۷
31لدوابهم و يمنع بالخصب لأنفسهم، و السبب الذي يدبر أمر السهل و الجبل أو يلقي بالمحبة و الألفة أو إليه أمر البحر و السفائن الجارية فيه.
ثم وجدوا أن قوتهم لا تفي بالتسلط على تلك الحاجة أو الحوائج الضرورية فاضطروا إلى الخضوع إلى السبب المربوط بحاجتهم و اتخاذه إلها ثم عبادته.
و إما لأنهم وجدوا هذا الإنسان الأعزل غرضا لسهام الحوادث محصورا بمكاره و شرور عامة عظيمة لا يقاومها كالسيل و الزلزلة و الطوفان و القحط و الوباء، و ببلايا و محن أخرى جزئية لا يحصيها كالأمراض و الأوجاع و السقوط و الفقر و العقم و العدو و الحاسد و الشانئ و غير ذلك، ثم وضعوا لها أسبابا قاهرة هي المرسلة لها إليهم، و القاصمة بها ظهورهم، و المكدرة لصفوة عيشهم، و هي مخلوقات علوية كأرباب الأنواع و أرواح الكواكب و الأجرام العلوية فاتخذوها آلهة خوفا من سخطهم و عذابهم، و عبدوها ليستميلوها بالعبادة و يرضوها بالخضوع و الاستكانة فيخلصوا بذلك عن المكاره و الرزايا و يأمنوا شرورها و المضار النازلة منها إليهم.
و الآية أعني قوله: {قُلْ أَ غَيْرَ اَللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} إلخ، و الآيات التالية لها تحتج على المشركين بقلب حجتيهم بعينهما إليهم أي تسلم أصل الحجة و تعدها حقة لكن تبين أن لازمها أن يعبد الله سبحانه وحده، و ينفى عنه كل شريك موضوع.
فقوله تعالى: {قُلْ أَ غَيْرَ اَللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاَ يُطْعَمُ} إشارة إلى الحجة من المسلك الأول، و هو مسلك الرجاء أن يعبد الإله لأنه منعم فيكون عبادته شكرا لإنعامه سببا لمزيده.
أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يبين لهم في صورة الاستفهام و السؤال أن الله سبحانه وحده هو الولي للنعمة التي يتنعم بها الإنسان و غيره لأنه هو الرازق الذي لا يحتاج إلى أن يرزقه غيره يطعم و لا يطعم، و الدليل عليه أنه تعالى هو الذي فطر السماوات و الأرض، و أخرجها من ظلمة العدم إلى نور الوجود، و أنعم عليها بنعمة التحقق و الثبوت، ثم أفاض عليها بنعم لا يحصيها إلا هو لإبقاء وجودها، و منها الإطعام للإنسان و غيره فإن جميع هذه النعم المعدة لبقاء وجود الإنسان و غيره، و الأسباب التي تسوق تلك النعم إلى محال الاستحقاق كل ذلك ينتهي إلى فطرة و إيجاده الأشياء و الأسباب و مسبباتها

