تفسير الميزان ج۷
28و كما أن للمسكن عاما و خاصا دخلا تاما في كينونة الساكن كالإنسان مثلا يسكن أرضا فيطوف بها في طلب الرزق، و يرتزق مما يخرج منها من حب و فاكهة و ما يتربى فيها من حيوان، و يشرب من مائها، و يستنشق من هوائها، و يفعل و ينفعل من كيفيات منطقتها، و ينمو جميع أجزاء جسمه على حسب تقديرها كذلك الليل و النهار لهما الدخل التام في تكون عامة ما يتكون فيهما.
و الإنسان من الأشياء الساكنة في الليل و النهار تكون بمشية الله من ائتلاف أجزاء بسيطة و مركبة على صورة خاصة يمتاز وجوده حدوثا و بقاء بحياة تقوم على شعور فكري و إرادة يتهيئان له من قوى له باطنية عاطفية تأمره بجذب المنافع و دفع المضار، و تدعوه إلى إيجاد مجتمع متشكل فيه ما نراه من تفاصيل التفاهم باللغات و التباني على اتباع السنن و القوانين و العادات في المعاشرات و المعاملات، و احترام الآراء و العقائد العامة في الحسن و القبح و العدل و الظلم و الطاعة و المعصية و الثواب و العقاب و الجزاء و العفو.
و إذا كان الله سبحانه هو الخالق لليل و النهار و ما سكن فيهما المتفرد بإيجادها فله ما سكن في الليل و النهار، و هو المالك الحق لجميع الليل و النهار و سكانهما و ما يستعقب وجودها من الحوادث و الأفعال و الأقوال، و له النظام الجاري فيها على عجيب سعته فهو السميع لأقوالنا من أصوات و إشارات، و العليم بأعمالنا و أفعالنا بما لها من صفتي الحسن و القبح، و العدل و الظلم و الإحسان و الإساءة، و ما تكتسبه النفوس من سعادة و شقاء.
و كيف يمكنه الجهل بذلك و قد نشأ الجميع في ملكه و بإذنه؟ و نحو وجود هذا النوع من الأمور أعني الحسن و القبح و العدل و الظلم و الطاعة و المعصية، و كذا اللغات الدالة على المعاني الذهنية كل ذلك أمور علمية لا تحقق لها في غير ظرف العلم، و لذلك نرى أن الفعل لا يقع منا حسنا و لا قبيحا و لا طاعة و لا معصية، و الصوت المؤلف لا يسمى كلاما إلا إذا علمنا به و قصدنا وجهه.
و كيف يمكن أن يملك شيء علمي في نفسه من حيث كونه كذلك ثم يجهله مالكه و لا يعلم به؟ (أجد التأمل فيه).
و الله سبحانه هو الذي أوجد هذا العالم على عجيب سعته في أجزائه البسيطة

