تفسير الميزان ج۷
26شاء و أراد، و قد اتصف سبحانه بصفة الرحمة و هي رفع حاجة كل محتاج و إيصال كل شيء إلى ما يستحقه و إفاضته عليه و عدة من عباده و منهم الإنسان صالحون لحياة خالدة مستعدون لأن يسعدوا فيها فهو بمقتضى ملكه و رحمته سيتصرف فيهم بحشرهم و إعطائهم ما يستحقونه البتة.
فقوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} إلخ، يتضمن إحدى مقدمات الحجة و قوله: {كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ} يتضمن مقدمة أخرى، و قوله: {وَ لَهُ مَا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ} إلخ، مقدمة أخرى ثالثة بمنزلة الجزء من الحجة.
فقوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} إلخ، يأمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يسألهم عمن يملك السماوات و الأرض و له التصرف فيها بما شاء من غير مانع يمنعه، و هو الله سبحانه من غير شك لأن غيره حتى الأصنام و أرباب الأصنام التي يدعوها المشركون هي كسائر الخلقة ينتهي خلقها و أمرها إليه تعالى فهو المالك لما في السماوات و الأرض جميعا.
و لكون المسئول عنه معلوما بينا عند السائل و المسئول جميعا و الخصم معترف به لم يحتج إلى صدور الجواب عن الخصم و اعترافه به بلسانه، و أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يذكر هو الجواب و يتكفل ذلك لتتم الحجة من غير انتظار ما لجوابهم.
و السؤال عن الخصم، و مباشرة السائل بنفسه الجواب كلاهما من السلائق البديعة الدائرة في سرد الحجج، يقول المنعم لمن أنعم عليه فكفر بنعمته: من الذي أطعمك و سقاك و كساك؟ أنا الذي فعل ذلك بك و من بها عليك و أنت تجازيني بالكفر.
و بالجملة ثبت بهذا السؤال و الجواب أن الله سبحانه هو المالك على الإطلاق فله التصرف فيها بما شاء من إحياء و رزق و إماتة و بعث بعد الموت من غير أن يمنعه من ذلك مانع كدقة في العمل و موت و غيبة و اختلال و غير ذلك. و بهذا تمت إحدى مقدمات الحجة فألحقها المقدمة الأخرى و هي قوله: {كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ}.
قوله تعالى: {كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ} الكتابة هو الإثبات و القضاء الحتم، و إذ كانت الرحمة - و هي إفاضة النعمة على مستحقها و إيصال الشيء إلى سعادته التي تليق به

