تفسير الميزان ج۷
202فلقوله تعالى: {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} إطلاق من حيث الظلم لكنه إطلاق يختلف باختلاف مراتب الإيمان و إذ كان المقام مقام محاجة المشركين انطبق الظلم المنفي على ظلم الشرك فحسب و الأمن الذي يعطيه هذا الإيمان هو الأمن مما يخاف منه من الشقاء المؤبد و العذاب المخلد، و الآية مع ذلك آية مستقلة من حيث البيان مع قطع النظر عن خصوصية المورد تفيد أن الأمن و الاهتداء إنما يترتب على الإيمان بشرط انتفاء جميع أنحاء الظلم الذي يلبسه و يستر أثره بالمعنى الذي تقدم بيانه.
و أما الإيمان المذكور في الآية ففيه إطلاق و المراد به الإيمان بالربوبية الصالح للتقيد بما يصلحه أو يفسده ثم إذا قيد بقوله: {وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أفاد الإيمان بربوبية الله سبحانه و رفض غيره من شركائهم فإن إبراهيم (عليه السلام) ذكر فيما تحكي عنه الآية السابقة أن قولهم بربوبية شركائهم و إيمانهم بها مع كونها من خلق الله قول بما لا دليل لهم عليه من جانب الله و لا سلطان و أنهم بإيمانهم بشركائهم يتوقون شرا و يستأمنون شقاء ليس لها أن تدفعها لأنها لا تضر و لا تنفع، و أما هو (عليه السلام) فقد خاف و آمن بمن هو فاطره و هو المتصرف بالهداية و المدبر الذي له في كل أمر إرادة و مشية لسعة علمه، ثم سألهم: أي الفريقين أحق بالأمن و الناجح بالإيمان بالرب، و لكل من الفريقين إيمان بالرب، و إن اختلفا من جهة الرب، و الذي آمنوا به بين مؤمن برب على ربوبيته دليل، و مؤمن برب لا دليل على ربوبيته بل الدليل على خلافه.
و من هنا يظهر أن المراد بالإيمان في قوله: {اَلَّذِينَ آمَنُوا} مطلق الإيمان بالربوبية ثم بتقيده بقوله: {وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} يتعين في الإيمان بالله سبحانه الذي هو حق الإيمان فافهم.
فقد اتضح بما تقدم أولا: أن المراد بالإيمان هو الإيمان بالربوبية دون الإيمان بوجود صانع العالم خلافا لمنكري وجوده.
و ثانيا: أن الظلم في الآية مطلق ما يضر الإيمان و يفسده من المعاصي، و كذا المراد بالأمن مطلق الأمن من شقاء المعاصي و الذنوب، و بالاهتداء مطلق التخلص من ضلالها و إن انطبق بحسب المورد على معصية الشرك خاصة.
و ثالثا: أن إطلاق الظلم يختلف بحسب اختلاف مراتب الإيمان.

