تفسير الميزان ج۷
201الإيمان الذي شأنه التقريب من السعادة و الفلاح الحقيقي و الفوز برضى الرب سبحانه و هو ظاهر فتأثير الإيمان أثره لا يشترط بعدم شيء من ذلك.
فقوله: {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ} معناه اشتراط الإيمان في إعطائه الأمن من كل ذنب و معصية يفسد أثره بعدم الظلم غير أن هاهنا دقيقة و هي أن الذنب الاختياري - كما استوفينا البحث عنه في آخر الجزء السادس من الكتاب - أمر ذو مراتب مختلفة باختلاف الأفهام فمن الظلم ما هو معصية اختيارية بالنسبة إلى قوم و ليس بها عند آخرين. فالواقف في منشعب طريقي الشرك و التوحيد مثلا و هو الذي يرى أن للعالم صانعا هو الذي فطر أجزاءها و شق أرجاءها و أمسك أرضها و سماءها، و يرى أنه نفسه و غيره مخلوقون مربوبون مدبرون، و أن الحياة الإنسانية الحقيقية إنما تسعد بالإيمان به و الخضوع له فالظلم اللائح لهذا الإنسان هو الشرك بالله و الإيمان بغيره بالربوبية كالأصنام و الكواكب و غيرها على ما يثبته إبراهيم (عليه السلام) بقوله: {وَ كَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَ لاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} فالإيمان الذي يؤثر أثره بالنسبة إلى هذا الإنسان إنما يشترط في إعطائه الأمن من الشقاء بأن لا يلبسه ظلم الشرك و معصيته.
و من طوى هذه المرحلة فآمن بالله وحده فإنه يواجه من الظلم الكبائر من المعاصي كعقوق الوالدين و أكل مال اليتيم و قتل النفس المحترمة و الزنا و شرب الخمر فإيمانه في تأثيره آثاره الحسنة يشترط باجتناب هذا النوع من الظلم، و قد وعده الله أن يكفر عنه السيئات و المعاصي الصغيرة إن اجتنب كبائر ما ينهى عنه، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} (النساء: ٣١) و فساد أثر هذا الإيمان هو الشقاء بعذاب هذه المعاصي و إن لم يكن عذابا خالدا غير منقطع الآخر كعذاب الشرك بل منقطعا إما بحلول أجله و إما بشفاعة و نحوها.
و من تزود هذا الزاد من التقوى و حصل شيئا من المعرفة بمقام ربه كان مسئولا بأصناف من الظلم تبدو له بحسب درجة معرفته بربه كإتيان المكروهات و ترك المستحبات و التوغل في المباحات، و فوق ذلك المعاصي في مستوى الأخلاق الكريمة و الملكات الربانية و وراء ذلك الذنوب التي تعترض سبيل الحب، و تحف بساط القرب، فالإيمان في كل من هذه المراتب إنما يؤمن المتلبس به و يدفع عنه الشقاء إذا عري عن ملابسة الظلم المناسب لتلك المرتبة.

