تفسير الميزان ج۷
20(الأنفال: ٣٣).
فالمتحصل من الآية أنهم يسألون نزول الملك، و لا نجيبهم إلى ما سألوه لأنه لو نزل الملك لقضي بينهم و لم ينظروا و قد شاء الله أن ينظرهم إلى حين فليخوضوا فيما يخوضون حتى يلاقوا يومهم، و سيوافيهم ما سألوه فيقضي الله بينهم.
و يمكن أن يقرر معنى الآية على نحو آخر و هو أن يكون مرادهم أن ينزل الملك ليكون آية لا ليأتيهم بالعذاب، و يكون المراد من الجواب أنه لو نزل عليهم لم يؤمنوا به لما تمكن فيهم من رذيلة العناد و الاستكبار و حينئذ قضي بينهم و هم لا ينظرون، و هم لا يريدون ذلك.
و ثانيهما: أن ينزل عليهم الملك ليكون حاملا لأعباء الرسالة داعيا إلى الله مكان النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو يكون معه رسولا مثله مصدقا لدعوته شاهدا على صدقه كما في قولهم فيما حكى الله: {وَ قَالُوا مَا لِهَذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعَامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوَاقِ لَوْ لاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}(الفرقان: ٧) فإنهم يريدون أن الذي هو رسول من جانب الله لا يناسب شأنه أن يشارك الناس في عادياتهم من أكل الطعام و اكتساب الرزق بالمشي في الأسواق بل يجب أن يختص بحياة سماوية و عيشة ملكوتية لا يخالطه تعب السعي و شقاء الحياة المادية فيكون على أمر بارز من الدعوة أو ينزل معه ملك سماوي فيكون معه نذيرا فلا يك في حقية دعوته و واقعية رسالته.
و هذا هو الذي تجيب عنه الآية التالية: {وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً} إلخ.
قوله تعالى: {وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} اللبس بالفتح الستر بساتر لما يجب ستره لقبحه أو لحاجته إلى ذلك و اللبس بالضم التغطية على الحق، و كأن المعنى استعاري و الأصل واحد.
قال الراغب في المفردات: لبس الثوب استتر به و ألبسه غيره -إلى أن قال- و أصل اللبس (بضم اللام) ستر الشيء و يقال ذلك في المعاني يقال: لبست عليه أمره قال: {وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} و قال: {وَ لاَ تَلْبِسُوا اَلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}، {لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}، {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} و، يقال: في الأمر لبسه أي التباس، انتهى.

