تفسير الميزان ج۷
192و اللام في قوله: {لِلَّذِي} للغاية و تفيد معنى إلى، و كثيرا ما تستعمل في الغاية اللام كما تستعمل «إلى» قال: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} (البقرة: ١١) {وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللَّهِ} (لقمان: ٢٢).
و في تخصيص فطر السماوات و الأرض من بين صفاته تعالى الخاصة و كذا من بين الألفاظ الدالة على الخلقة كالباري و الخالق و البديع إشارة إلى ما يؤثره إبراهيم (عليه السلام) من دين الفطرة و قد كرر توصيف هذا الدين في القرآن الكريم بأنه دين إبراهيم الحنيف و دين الفطرة أي الدين الذي بنيت معارفه و شرائعه على خلقة الإنسان و نوع وجوده الذي لا يقبل التبدل و التغير فإن الدين هو الطريقة المسلوكة التي يقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقية و السعادة الحقيقية هي الغاية المطلوبة التي يطلبها الشيء حسب تركب وجوده و تجهزه بوسائل الكمال طلبا خارجيا واقعيا، و حاشا أن يسعد الإنسان أو أي شيء آخر من الخليقة بأمر و لم يتهيأ بحسب خلقته له أو هيئ لخلافه كأن يسعد بترك التغذي أو النكاح أو ترك المعاشرة و الاجتماع و قد جهز بخلافها، أو يسعد بالطيران كالطير أو بالحياة في قعر البحار كالسمك و لم يجهز بما يوافقه.
فالدين الحق هو الذي يوافق بنواميسه الفطرة و حاشا ساحة الربوبية أن يهدي الإنسان أو أي مخلوق آخر مكلف بالدين إن كان إلى غاية سعيدة مسعدة و لا يوافق الخلقة أو لم يجهز بما يسلك به إليها فإنما الدين عند الله الإسلام و هو الخضوع لله بحسب ما يهدي إليه و يدل عليه صنعه و إيجاده.
قوله تعالى: {وَ حَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَ تُحَاجُّونِّي فِي اَللَّهِ وَ قَدْ هَدَانِ}. قسم تعالى حججه(عليهم السلام) إلى قسمين: أحدهما ما بدأ به هو فحاج الناس، و ثانيهما ما بدأ به الناس فكلموه به بعد ما تبرأ من آلهتهم، و هذا الذي تعرض له في الآية و ما بعده هو القسم الثاني.
لم يذكر تعالى ما أوردوه عليه من الحجة لكنه لوح إليه بقوله حكاية عن إبراهيم (عليه السلام): {وَ لاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} فهو الاحتجاج لوجوب عبادة آلهتهم من جهة الخوف و قد تقدم و سيجيء أن الذي بعثهم إلى اتخاذ الآلهة و عبادتها أحد أمرين: الخوف من سخطها و قهرها بما لها من السلطة على حوادث العالم الأرضي، أو رجاء البركة و السعادة

