تفسير الميزان ج۷
188على الحدوث فلم ترك إبراهيم (عليه السلام) الاستدلال على حدوثها بالطوع و عول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟.
و الجواب: لا شك أن الطلوع و الغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد و أن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي و الغبي و العاقل، و دلالة الحركة على الحدوث و إن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق، أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم.
و أيضا قال بعض المحققين: الهوي في خطرة الإمكان أفول و أحسن الكلام ما تحصل فيه حصة الخواص و حصة الأوساط و حصة العوام: فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان و كل ممكن محتاج لا يكون مقطوع الحاجة فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: {وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى}.
و أما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة فكل متحرك محدث، و كل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلها بل الإله هو الذي يحتاج إليه ذلك الآفل.
و أما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، و هم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول و الغروب فإنه يزول نوره، و ينتقص ضوؤه، و يذهب سلطانه، و يكون كالمعزول، و من يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله {لاَ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ} كلمة مشتملة على نصيب المقربين و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل و أفضل البراهين.
و فيه دقيقة أخرى، و هو أنه (عليه السلام) إنما كان يناظرهم و هم كانوا منجمين، و مذهب أصحاب النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي و يكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير، أما إذا كان غربيا و قريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز و كماله إلى النقصان، و مذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص

