تفسير الميزان ج۷
187ذهبوا إلى أن كل جرم سماوي قديم زماني غير قابل للكون و الفساد متحرك بحركة دائمة غير أنهم لا ينكرون أن جميعها معلولة لإمكانها غير مستغنية لا في وجودها و لا في آثار وجودها عن الواجب عز اسمه.
فالحجتان إنما هما قائمتان على منكري وجود الصانع من الطبيعيين لا الصابئين و عبدة أرباب الأنواع و غيرهم من الوثنيين، و إبراهيم (عليه السلام) إنما كان يحاج هؤلاء دون أولئك.
على أنك عرفت أن الحجة لم تركب من جهة الأفول بل من جهة عدم تعلق الحب بشيء من شأنه الأفول و الغروب.
و أما من دفع ما ذكروه من تقرير الحجة من جهة الإمكان أو الحركة بأن تفسير الأفول بذلك تفسير للشيء بما يباينه فإن العرب لا يعرفون الأفول بمعنى الإمكان أو الحدوث و كذلك تفسير الأفول بالتغير و الحركة غلط كسابقه.
فقد خفي عليه أن هؤلاء لا يقولون: إن الأفول في الآية بمعنى الإمكان أو بمعنى الحركة، و إنما يقولون: إن الأفول إنما احتج به لاستلزامه الإمكان أو الحركة و التغير، و أما الأفول بمعنى الغيبة بعد الحضور و الخفاء بعد الظهور مع قطع النظر عن استلزامه الإمكان أو التغير غير اللائقين بساحة الواجب جل ثناؤه فليس ينافي الربوبية كما اعترف به هذا المورد نفسه.
و ذلك أن الواجب تعالى أيضا غائب عن مشاعرنا من غير أن يتحول عليه الحال و يطرأ عليه التغير بالغيبة بعد الحضور و الخفاء بعد الظهور، و لا ينفع القول بأن الغيبة و الخفاء فيه تعالى من جهتنا لا من جهته و لاشتغالنا بما يصرفنا عنه لا لمحدودية وجوده و قصور استيلائه فإن غيبة هذه الأجرام السماوية و خاصة الشمس بالحركة اليومية أيضا من قبلنا حيث أنا أجزاء من الأرض التي تتحرك بحركتها اليومية فتحولنا بها من مسامتة هذه الأجرام و مواجهتها إلى خلاف ذلك فنغرب عنها في الحقيقة بعد طلوعنا عليها و إن كان الخطأ الحسي يخيل لنا غيره.
و قد أراد الرازي أن يجمع بين الوجوه جميعا فقال في تفسيره ما نصه: الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره و إذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة، و على هذا التقدير فيكون الطلوع أيضا دليلا

