تفسير الميزان ج۷
184به و تبرأ من ربوبيتها، ثم رأى القمر بازغا و هناك قوم يعبدونه فجاراهم في ربوبيته بقوله: {هَذَا رَبِّي} و أخذ يراقب ما يحدث به حتى أفل، و كانت الليلة من الليالي الطوال في النصف الثاني من الشهر القمري و لعل القمر كان يسير في قوس قصير من أقواس المدارات الجنوبية فلما أفل تبرأ من ربوبيته، و أخذ يستهدي ربه و يستعيذ به من الضلال حتى طلعت الشمس فرآها بازغة و أكبر بالنسبة إلى ما تقدمها من الكوكب و القمر فعاد كذلك إلى مجاراتهم في ربوبيتها مع ما لاح له من بطلان ربوبية الكوكب و القمر و هما مثلها في كونها جرما سماويا نيرا لكنه اتخذ كونها أكبر منها عذرا يعتذر به فيما يفترضه أو يسلمه من ربوبيتها فقال: {هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} و أخذ ينتظر مستقبل الأمر حتى أفلت فتبرأ من ربوبيتها و شرك قومه فقال: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} ثم أثبت الربوبية لله سبحانه كما كان يثبت الألوهية بمعنى إيجاد السماوات و الأرض و فطرها له تعالى فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} و هو العبودية قبال الربوبية {لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً} غير منحرف من حاق الوسط إلى يمين أو يسار {وَ مَا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ}بإشراك شيء من خلقه و مفطوراته له تعالى في العبادة و الإسلام .
و قد تقدم أن قوله تعالى في ضمن الآيات محفوفا بها: {وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ} يدل على أنه (عليه السلام) إنما كان يأخذ ما يلقيه من الحجة على أبيه و قومه مما كان يشاهده من ملكوت السماوات و الأرض، و قد أفاض الله سبحانه اليقين الذي ذكره غاية لإراءته الملكوت على قلبه بهذه المشاهدة و الرؤية.
و هذا أوضح شاهد على أن الذي ذكره (عليه السلام) من الحجة كانت حجة برهانية ترتضع من ثدي اليقين، و قد أورد في ذلك قوله: {لاَ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ} و تقدمت الإشارة إلى تقريره.
فتبين من جميع ما تقدم:
أولا: أن قوله (عليه السلام): {لاَ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ} حجة برهانية يقينية بني الكلام فيه على عدم حبه للآفلين، و منافاة الأفول للربوبية، و يظهر من كلام بعضهم أنه يأخذه حجة عامية غير برهانية إذ يقول: و الصواب أن الكلام كان تعريضا خفيا لا برهانا نظريا جليا يعرض فيه بجهل قومه في عبادة الكواكب أنهم يعبدون ما يتحجب عنهم، و لا

