تفسير الميزان ج۷
179مورده و كل مورد يشابهه.
و في الكلام إشارة أولا إلى أنه كان هناك قوم قائلون بربوبية القمر كالكوكب كما أن قوله في الآية التالية بعد ذكر أمر الشمس: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} لا يخلو عن الدلالة على مثله.
و ثانيا: أنه (عليه السلام) كان وقتئذ في مسير الطلب راجيا للهداية الإلهية مترقبا لما يفيض ربه عليه من النظر الصحيح و الرأي اليقيني سواء كان ذلك بحسب الحقيقة كما لو حملنا الكلام على الافتراض لتحصيل الاعتقاد، أو بحسب الظاهر كما لو حملناه على الوضع و التسليم لبيان الفساد، و قد تقدم الوجهان آنفا.
و ثالثا: أنه (عليه السلام) كان على يقين بأن له ربا إليه تدبير هدايته و سائر أموره، و إنما كان يبحث واقعا أو ظاهرا ليعرفه: أ هو الذي فطر السماوات و الأرض بعينه أو بعض من خلقه، و إذ بان له أن الكوكب و القمر لا يصلحان الربوبية لأفولها توقع أن يهديه ربه إلى نفسه و يخلصه من ضلال الضالين.
قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى اَلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} الكلام في دلالة اللفظ على الاتصال بما قبله لمكان قوله: {فَلَمَّا} و كون قوله: {هَذَا رَبِّي} مسوقا للافتراض أو التسليم كما تقدم في الآية السابقة.
و قد كان تكرر قوله: {هَذَا رَبِّي} في القمر لما رآه بازغا بعد ما رأى الكوكب، و لذلك ضم قوله: {هَذَا أَكْبَرُ} إلى قوله {هَذَا رَبِّي} في الشمس في المرة الثالثة ليكون بمنزلة الاعتذار للعود إلى فرض الربوبية لها مع تبين خطإ افتراضه مرة بعد مرة.
و قد تقدمت الإشارة إلى أن إشارته إلى الشمس بلفظة {هَذَا} تشعر بأنه (عليه السلام) ما كان يعرف من الشمس ما يعرفه أحدنا أنه جرم سماوي يطلع و يغرب بحسب ظاهر الحس في كل يوم و ليلة، و إليها تستند النهار و الليل و الفصول الأربعة السنوية إلى غير ذلك من نعوتها.
فإن الإتيان في الإشارة بلفظ المذكر هو الذي يستريح إليه من لا يميز المشار إليه في نوعه كما تقول فيمن لاح لك شبحه و أنت لا تدري أ رجل أم امرأة: من هذا؟ و نظيره ما يقال في شبح لا يدرى أ من أولي العقل هو أو لا: ما هذا؟ فلعله إنما كان ذلك من إبراهيم (عليه السلام) أول ما خرج من مختفى أخفي فيه إلى أبيه و قومه، و لم يكن عهد مشاهد الدنيا

