تفسير الميزان ج۷
177قَدْ جَاءَنِي مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيًّا يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ اَلشَّيْطَانَ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ اَلرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَ رَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اُهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} (مريم: ٤٧) أنه (عليه السلام) كان على علم بحقيقة الأمر و أن الذي يتولى تدبير أمره و يحفي عليه و يبالغ في إكرامه هو الله سبحانه دون غيره.
و على هذا فقوله: {هَذَا رَبِّي} جار مجرى التسليم و المجاراة بعد نفسه كأحدهم و مجاراتهم و تسليم ما سلموه ثم بيان ما يظهر به فساد رأيهم و بطلان قولهم، و هذا الطريق من الاحتجاج أجلب لإنصاف الخصم، و أمنع لثوران عصبيته و حميته، و أصلح لإسماع الحجة.
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ} الأفول الغروب و فيه إبطال ربوبية الكوكب بعروض صفة الأفول له فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممن طلع عليه و لا يستقيم تدبير كوني مع الانقطاع.
على أن الربوبية و المربوبية بارتباط حقيقي بين الرب و المربوب و هو يؤدي إلى حب المربوب لربه لانجذابه التكويني إليه و تبعيته له، و لا معنى لحب ما يفنى و يتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله، و ما يشاهد من أن الإنسان يحب كثيرا الجمال المعجل و الزينة الداثرة فإنما هو لاستغراقه فيه من غير أن يلتفت إلى فنائه و زواله فمن الواجب أن يكون الرب ثابت الوجود غير متغير الأحوال كهذه الزخارف المزوقة التي تحيا و تموت و تثبت و تزول و تطلع و تغرب و تظهر و تخفى و تشب و تشيب و تنضر و تشين، و هذا وجه برهاني و إن كان ربما يتخيل أنه بيان خطابي أو شعري فافهم ذلك.
و على أي حال فهو (عليه السلام) أبطل ربوبية الكوكب بعروض الأفول له إما بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لأفوله لأن المربوبية و العبودية متقومة بالحب فليس يسع من لا يحب شيئا أن يعبده و قد ورد في المروي عن الصادق (عليه السلام): «هل الدين إلا الحب؟» و قد بينا ذلك فيما تقدم.
و إما لكون الحجة متقومة بعدم الحب و إنما ذكر الأفول ليوجه به عدم حبه له المنافي للربوبية لأن الربوبية و الألوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق به الحب الغريزي

