تفسير الميزان ج۷
176و العلم التام بالحق.
و من ضروريات حياة الإنسان أن يمر عليه لحظة هي أول لحظة ينتقل فيها من قصور الجهل بواجب الاعتقاد إلى بلوغ العلم بحيث يتعلق به التكليف العقلي بالانتهاض إلى الطلب و النظر، و هذه سنة عامة في الحياة الإنسانية المتدرجة من النقص إلى الكمال لا يختلف فيها إنسان و إنسان، و إن أمكن أن يظهر من بعض الأفراد بعض ما يخالف ذلك من أمارات الفهم و العلم قبل المتعارف من سن التمييز و البلوغ كما يحكيه القرآن عن المسيح و يحيى (عليه السلام) فإنما ذلك من خوارق العادة الجارية و ما كل إنسان على هذا النعت و لا كل نبي فعل به ذلك.
و بالجملة ليس الإنسان من أول ما ينفخ فيه الروح الإنساني واجدا لشرائط التكليف بالاعتقاد الحق أو العمل الصالح، و إنما يستعد لذلك على سبيل التدريج حتى يستتم الشرائط فيكلف بالطلب و النظر فزمن حياته منقسم لا محالة إلى قسمين هما قبل التمييز و البلوغ و بعد التمييز و البلوغ و هو الزمان الذي يصلح لأن يشغله الاعتقاد كما أن ما يقابله يقابله فيه، و بين الزمانين الصالح لإشغاله بالاعتقاد و غير الصالح له لا محالة زمان متخلل يتوجه إليه فيه التكليف بالطلب و النظر، و هو الفصل الذي يبحث فيه عن واجب الاعتقاد بما تهدي إليه فطرته من طريق الاستدلال فيفرض نفسه أو العالم مثلا بلا صانع مرة و مع الصانع أخرى، و يفرض الصانع وحده مرة و مع الشريك أخرى و هكذا ثم ينظر ما ذا تؤيده الآثار المشهودة في العالم من كل فرض فرضه أو لا تؤيده فيأخذ بذاك و يترك هذا.
فهو ما لم يتم له الاستدلال غير قاطع بشيء و لا بان على شيء و إنما هو مفترض و مقدر لما افترضه و قدره.
و على هذا فقول إبراهيم (عليه السلام) في الكوكب: {هَذَا رَبِّي} و كذا قوله الآتي في القمر و الشمس ليس من القطع و البناء اللذين يعدان من الشرك، و إنما هو افتراض أمر للنظر إلى الآثار التي تثبته و تؤيده، و من الدليل على ذلك ما في الآيات من الظهور في أنه (عليه السلام) كان على حالة الترقب و الانتظار، فهذا وجه.
و لكن الذي يتأيد بما حكاه الله عنه في سورة مريم في محاجته أباه: {يَا أَبَتِ إِنِّي

