تفسير الميزان ج۷
169لهم مخلوقة بأيديهم كما يشير إليه قوله (عليه السلام) لقومه فيما حكى الله: {أَ تَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} (الصافات: ٩٥) و من جهة أنها فاقدة لأظهر صفات الربوبية و هو العلم و القدرة كما في قوله لأبيه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَ لاَ يُبْصِرُ وَ لاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} (مريم: ٤٢).
فقوله: {أَ تَتَّخِذُ أَصْنَاماً} إلخ، معناه: أ تتخذ أصناما لا خطر في أمرها آلهة و الإله هو الذي في أمره خطر عظيم إني أراك و قومك في ضلال مبين، و كيف لا يظهر هذا الضلال و هو عبادة و تذلل عبودي من صانع فيه آثار العلم و القدرة لمصنوعه الذي يفقد العلم و القدرة.
و الذي تشتمل عليه الآية أعني قوله: {أَ تَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} إلخ، من الحجاج و إن كان بمنزلة التلخيص لعدة احتجاجات واجه بها إبراهيم (عليه السلام) أباه و قومه على ما حكي تفصيلها في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أنه أول ما حاج به أباه و قومه فإن الذي حكاه الله سبحانه من محاجته هو حجاجه أباه و حجاجه قومه في أمر الأصنام و حجاجهم في ربوبية الكوكب و القمر و الشمس و حجاجه الملك.
أما حجاجه في ربوبية الكوكب و القمر و الشمس فالآيات دالة على كونه بعد الحجاج في أمر الأصنام، و الاعتبار و التدبر يعطي أن يكون حجاجه الملك بعد ما ظهر أمره و شاع مخالفته لدين الوثنية و الصابئة و كسر الأصنام، و أن يكون مبدأ أمره مخالفته أباه في دينه و هو معه و عنده قبل أن يواجه الناس و يخالفهم في نحلتهم فقد كان أول ما حاج به في التوحيد هو ما حاج به أباه و قومه في أمر الأصنام.
قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} إلخ، ظاهر السياق أن تكون الإشارة بقوله: {كَذَلِكَ} إلى ما تضمنته الآية السابقة: {وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ} إلخ، أنه (عليه السلام) أري الحق في ذلك، فالمعنى: على هذا المثال من الإراءة نري إبراهيم ملك السماوات و الأرض.
و بمعونة هذه الإشارة و دلالة قوله في الآية التالية: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ} الدالة على ارتباط ما بعده بما قبله يظهر أن قوله: {نُرِي} لحكاية الحال الماضية كقوله تعالى: {وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ} (القصص: ٥). ـ

