تفسير الميزان ج۷
165يعقوب و إسماعيل عمه و قد أطلق على كل منهما الأب، و قوله تعالى فيما يحكي من كلام يوسف (عليه السلام): {وَ اِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ} (يوسف: ٣٨) فإسحاق جد يوسف و إبراهيم (عليه السلام) جد أبيه و قد أطلق على كل منهما الأب.
فقد تحصل أن آزر الذي تذكره الآية ليس أبا لإبراهيم حقيقة و إنما كان معنونا ببعض الأوصاف و العناوين التي تصحح إطلاق الأب عليه، و أن يخاطبه إبراهيم (عليه السلام) بيا أبت، و اللغة تسوغ إطلاق الأب على الجد و العم و زوج أم الإنسان بعد أبيه و كل من يتولى أمور الشخص و كل كبير مطاع، و ليس هذا التوسع من خصائص اللغة العربية بل يشاركها فيه و في أمثاله سائر اللغات كالتوسع في إطلاق الأم و العم و الأخ و الأخت و الرأس و العين و الفم و اليد و العضد و الإصبع و غير ذلك مما يهدي إليه ذوق التلطف و التفنن في التفهيم و التفهم.
فقد تبين أولا: أن لا موجب للاشتغال بما تقدمت الإشارة إليه من الأبحاث الروائية و التاريخية و الأدبية في أبيه و لفظة آزر و أنه هل هو اسم علم أو لقب مدح أو ذم أو اسم صنم فلا حاجة إلى شيء من ذلك في الحصول على مراد الآية.
على أن غالب ما أوردوه في هذا الباب تحكم لا دليل عليه مع ما فيه من إفساد ظاهر الآية و إخلال أمر السياق باعتبار التراكيب العجيبة التي ذكروها للجملة {آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} من تقديم و تأخير و حذف و تقدير.
و ثانيا: أن والده الحقيقي غير آزر لكن القرآن لم يصرح باسمه، و إنما وقع في الروايات و يؤيده ما يوجد في التوراة أن اسمه «تارخ».
و من عجيب الوهم ما ذكره بعض الباحثين أن القرآن الكريم كثيرا ما يهمل فيما يذكره من تاريخ الأنبياء و الأمم و يقصه من قصص الماضين أمورا مهمة هي من جوهريات القصص كذكر تاريخ الوقوع و محله و الأوضاع الطبيعية و الاجتماعية و السياسية و غيرها المؤثرة في تكون الحوادث الدخيلة في تركب الوقائع و منها ما في مورد البحث فإن من العوامل المقومة لمعرفة حقيقة هذه القصة معرفة اسم أبي إبراهيم و نسبه و تاريخ زمن نشوئه و نهضته و دعوته و مهاجرته.
و ليس ذلك إلا لأن القرآن سلك في قصصه المسلك الجيد الذي يهدي إليه فن القصص الحقيقي و هو أن يختار القاص في قصته كل طريق ممكن موصل إلى غايته و مقصده إيصالا حسنا، و يمثل المطلوب تمثيلا تاما بالغا من غير أن يبالغ في تمييز صحيح ما يقصه من سقيمه، و يحصي جميع ما هو من جوهريات القصة كتأريخ الوقوع و مكانه و سائر نعوته

