تفسير الميزان ج۷
162أو غير ذلك و منشأ ذلك ما ورد في عدة روايات أن اسم أبيه «تارح» بالحاء المهملة أو المعجمة و يؤيده ما ضبطه التاريخ من اسم أبيه، و ما وقع في التوراة الموجودة أنه (عليه السلام) ابن تارخ.
كما اختلفوا أن المراد بالأب هو الوالد أو العم أو الجد الأمي أو الكبير المطاع و منشأ ذلك أيضا اختلاف الروايات فمنها ما يتضمن أنه كان والده و أن إبراهيم (عليه السلام) سيشفع له يوم القيامة و لكن لا يشفع بل يمسخه الله ضبعا منتنا فيتبرأ منه إبراهيم، و منها ما يدل على أنه لم يكن والده، و أن والده كان موحدا غير مشرك، و ما يدل على أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كانوا جميعا موحدين غير مشركين إلى غير ذلك من الروايات، و قد اختلفت في سائر ما قص من أمر إبراهيم اختلافا عجيبا حتى اشتمل بعضها على نظائر ما ينسبه إليه العهد العتيق مما تنزهه عنه الخلة الإلهية و النبوة و الرسالة.
و قد أطالوا هذا النمط من البحث حتى انجر إلى غايات بعيدة تغيب عندها رسوم البحث التفسيري الذي يستنطق الآيات الكريمة عن مقاصدها عن نظر الباحث، و على من يريد الاطلاع على ذلك أن يراجع مفصلات التفاسير و كتب التفسير بالمأثور.
و الذي يهدي إليه التدبر في الآيات المتعرضة لقصصه (عليه السلام) أنه (عليه السلام) في أول ما عاشر قومه بدأ بشأن رجل يذكر القرآن أنه كان أباه آزر، و قد أصر عليه أن يرفض الأصنام و يتبعه في دين التوحيد فيهديه حتى طرده أبوه عن نفسه و أمره أن يهجره قال تعالى: {وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَ لاَ يُبْصِرُ وَ لاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيًّا} -إلى أن قال- {قَالَ أَ رَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اُهْجُرْنِي مَلِيًّا} (مريم: ٤٦) فسلم عليه إبراهيم و وعده أن يستغفر له، و لعله كان طمعا منه في إيمانه و تطميعا له في السعادة و الهدى قال تعالى: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} (مريم: ٤٨) و الآية الثانية أحسن قرينة على أنه (عليه السلام) إنما وعده أن يستغفر له في الدنيا لا أن يشفع له يوم القيامة و إن بقي كافرا أو بشرط أن لا يعلم بكفره.

