تفسير الميزان ج۷
157محسوس من حال بعض بسائط العقول كالصبيان و أهل البدو إذا صادفوا أمورا ليس لهم بها عهد فإنهم يبدءون باستعلام حال ما يستأنسون بأمره بعد الاستيناس فيسألون عن حقيقته و عن أسبابه و غاياته.
و الإنسان المفروض و هو الإنسان الفطري الأولي تقريبا لما لم يشتغل إلا بأبسط أسباب المعيشة لم يشغل ذهنه ما يشغل ذهن الإنسان المدني الحضري الذي أحاطت به هذه الأشغال الكثيرة الطبيعية الخارجة عن الحد و الحصر التي لا فراغ له عنها و لو لحظة، و لذلك كان الإنسان المفروض في فراغ من الفكر و خلاء من الذهن، و الحوادث الجمة السماوية و الأرضية الكونية محيطة به من غير أن يعرف أسبابها الطبيعية فلذلك كان ذهنه أشد استعدادا للانتقال إلى سببها الذي هو أعلى من الأسباب الطبيعية و هو الذي يتنبه له الإنسان الحضري بعد الفراغ عن إحصاء الأسباب الطبيعية لحوادث الكون فوق هذه الأسباب لو وجد فراغا، و لذا كان الأسبق إلى ذهن هذا الإنسان المفروض هو الانتقال إلى هذا السبب الأعلى لو شاهد من الناس الحضريين الاشتغال به و التنسك و العبادة له.
و من الشواهد على هذا الذي ذكرنا ما نجد أن الاشتغال بالمراسم الدينية و البحث عن اللاهوت في آسيا أكثر رواجا و أغلى قدرا منه في أوروبا، و في القرى و البلاد الصغيرة أحكم موقعا منه في البلاد العظيمة و على هذه النسبة في البلاد العظيمة و السواد الأعظم لما أن المجتمع كلما اتسع نطاقه زادت فيه الحوائج الحيوية، و كثرت و تراكمت الأشغال الإنسانية فلم تدع للإنسان فراغا تستريح فيه نفسه إلى معنوياتها و تتوجه إلى البحث عن مبدئها و معادها.
و بالجملة إذا راجعنا قصة إبراهيم (عليه السلام) المودعة في هذه الآيات و ما يناظرها من آيات سورة مريم و الأنبياء و الصافات و غيرها وجدنا حاله (عليه السلام) فيما يحاج به أباه و قومه أشبه شيء بحال الإنسان البسيط المفروض نجده يسأل عن الأصنام و يباحث القوم في شأنها و يتكلم في أمر الكوكب و القمر و الشمس سؤاله من لا عهد له بما يصنعه الناس و خاصة قومه الوثنيون في الأصنام يقول لأبيه و قومه: {مَا هَذِهِ اَلتَّمَاثِيلُ اَلَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} (الأنبياء: ٥٢) و يقول لأبيه و قومه: {مَا تَعْبُدُونَ. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ. قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (الشعراء: ٧٤).

