تفسير الميزان ج۷
147فهذه الأسماء و النعوت تبين بأتم البيان أن الجميع محشورون إليه و أن هداه هو الهدى و دين الفطرة الذي أمر به هو الدين الحق فإنه تعالى خلق العالم لغاية مطلوبة أرادها منه و هو الرجوع إليه، و إذ كان يريدها فسيقول لها كن فيكون لأن قوله حق لا مرد له، و يظهر اليوم أن الملك له لا سلطنة لشيء غيره على شيء، و عند ذلك يتميز بتمييزه من أطاعه ممن عصاه لأنه يعلم كل غيب و شهادة عن حكمة و خبرة.
و قد بان مما تقدم أولا: أن قوله: {بِالْحَقِّ} أريد به أن خلق السماوات و الأرض خلق حق أي إن الحق وصفه، و قد تقدم قريبا معنى كون فعله و قوله تعالى حقا، و أما ما قيل: إن المعنى خلق السماوات و الأرض بالقول الحق فبعيد.
و ثانيا: أن ظاهر قوله: {وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ} بدلالة السياق بيان لأمر يوم القيامة و إن كان الأمر في خلق جميع الأشياء على هذه الطريقة.
و ثالثا: أن اختصاص نفخ الصور من بين أوصاف القيامة بالذكر في قوله: {وَ لَهُ اَلْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ} للإشارة إلى معنى الإحضار العام الذي هو المناسب لبيان قوله في ذيل الآية السابقة: {وَ هُوَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فإن الحشر هو إخراج الناس و تسييرهم مجتمعين بنوع من الإزعاج، و الصور إنما ينفخ فيه لاجتماع أفراد العسكر لأمر يهمهم، و لذلك ينفخ الصور أعني النفخة الثانية يوم القيامة ليحضروا عرصة المحشر لفصل القضاء قال تعالى: {وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}- -إلى أن قال- - {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (يس: ٥٤).
و ليس اليوم في الموضعين بمعنى واحد فاليوم الأول أريد به مطلق الظرف كالظرف ليوم القيامة بنوع من العناية الكلامية كقولنا: يوم خلق الله الحركة و حين خلق الله الأيام و الليالي و إنما اليوم من فروع الحركة متفرع عليه، و الحين هو اليوم و الليل، و المراد باليوم الثاني نفس يوم القيامة.

