تفسير الميزان ج۷
146ثم بينه أتم بيان بقوله: {وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ} إلخ، فهذه أسماء و نعوت له تعالى لو انتفى واحد منها لم يتم البيان.
فقوله: {هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ} إلخ، يريد به أن الخلقة جميعا فعله و إنما أتى به بالحق لا بالباطل، و الفعل إذا لم يكن باطلا لم يكن مندوحة من ثبوت الغاية له فللخلقة غاية و هو الرجوع إليه تعالى و هذا هو إحدى الحجتين اللتين ذكرهما في قوله عز من قائل: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا} إلى آخر الآيتين: (ص: ٢٧) فخلقة السماوات و الأرض بخلقة حقة تؤدي إلى أن الخلق يحشرون إليه.
و قوله: {يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ} السياق يدل على أن المراد بالمقول له هو يوم الحشر و إن كان كل موجود مخلوق على هذه الصفة كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس: ٨٢) و يوم ظرف متعلق بالقول و المعنى: يوم يقول ليوم القيامة: كن فيكون، و ربما قيل: إن المقول له هو الشيء و التقدير: يوم يقول لشيء كن فيكون، و ما ذكرناه أوفق للسياق.
و قوله: {قَوْلُهُ اَلْحَقُّ} تعليل عللت به الجملة التي قبله، و الدليل عليه فصل الجملة، و الحق هو الثابت بحقيقة معنى الثبوت و هو الوجود الخارجي و الكون العيني و إذ كان قوله هو فعله و إيجاده كما يدل عليه قوله: {وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ} فقوله تعالى هو نفس الحق فلا مرد له و لا مبدل لكلماته قال تعالى: {وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ} (ص: ٨٤).
قوله تعالى: {وَ لَهُ اَلْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ} يريد به يوم القيامة قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفى عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ} (المؤمن: ١٦) و المراد بثبوت الملك له تعالى يوم النفخ مع أن له الملك دائما إنما هو ظهور ذلك بتقطع الأسباب و انبتات الروابط و الأنساب و قد تقدم شذور من البحث في ذلك فيما تقدم و سيجيء استيفاء البحث عنه و عن معنى الصور في الموضع المناسب لذلك إن شاء الله تعالى.
و قوله {عَالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهَادَةِ} قد تقدم معناه، و هو اسم يتقوم بمعناه الحساب و الجزاء، و كذلك الاسمان: الحكيم و الخبير فهو تعالى بعلمه بالغيب و الشهادة يعلم ظاهر الأشياء و باطنها فلا يخفى عليه ظاهر لظهوره و لا باطن لبطونه، و بحكمته يتقن تدبير الخليقة و يميز الواجب من الجزاء كما ينبغي فلا يظلم و لا يجازف، و بخبرته لا يفوت عنه دقيق لدقته و لا جليل لجلالته.

