تفسير الميزان ج۷
142من خصوص معصية الخوض في آيات الله، أو المراد بالتقوى الأول أصل التقوى و بالثاني تمامه، أو الأول إجمال التقوى و الثاني تفصيله بفعلية الانطباق على كل مورد و منها مورد الخوض في آيات الله، و هاهنا معنى آخر و هو أن يكون المراد بالأول تقوى المؤمنين و بالتقوى الثاني تقوى الخائضين و تقدير الكلام و لكن ذكروا الخائضين ذكرى لعلهم يتقون الخوض.
و ثالثا: أن قوله: ذكرى مفعول مطلق لفعل مقدر و التقدير و لكن نذكرهم بذلك ذكرى أو ذكروهم ذكرى أو خبر لمبتدإ محذوف و التقدير: و لكن هذا الأمر ذكرى أو مبتدأ لخبر محذوف و التقدير: و لكن عليك ذكراهم و أوسط الوجوه أسبقها إلى الذهن.
قوله تعالى: {وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً} إلى آخر الآية، قال الراغب: البسل ضم الشيء و منعه و لتضمنه لمعنى الضم أستعير لتقطيب الوجه فقيل: هو باسل و مبتسل الوجه، و لتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرم و المرتهن بسل، و قوله تعالى: {وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ}، أي تحرم الثواب، و الفرق بين الحرام و البسل أن الحرام عام فيما كان ممنوعا منه بالحكم و القهر، و البسل هو المنوع منه بالقهر قال عز و جل: {أُولَئِكَ اَلَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} أي حرموا الثواب، انتهى.
و قال في المجمع، يقال: أبسلته بجريرته أي أسلمته، و المستبسل المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص -إلى أن قال- قال الأخفش: تبسل أي تجازى، و قيل: تبسل أي ترهن و المعاني متقاربة، انتهى.
و المعنى: «و اترك الذين اتخذوا دينهم لعبا و لهوا» عد تدينهم بما يدعوهم إليه هوى أنفسهم لعبا و تلهيا بدينهم، و فيه فرض دين حق لهم و هو الذي دعتهم إليه فطرتهم فكان يجب عليهم أن يأخذوا به أخذ جد و يتحرزوا به عن الخلط و التحريف و لكنهم اتخذوه لعبا و لهوا يقلبونه كيف شاءوا من حال إلى حال و يحولونه حسب ما يأمرهم به هوى أنفسهم من صورة إلى صورة.
ثم عطف على اتخاذهم الدين لعبا و لهوا قوله: {وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا} لما بينهما من الملازمة لأن الاسترسال في التمتع من لذائذ الحياة المادية و الجد في اقتنائها يوجب الإعراض عن الجد في الدين الحق و الهزل و اللعب به.

