تفسير الميزان ج۷
141و أوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء: {وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اَللَّهَ جَامِعُ اَلْمُنَافِقِينَ وَ اَلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} (النساء: ١٤٠) فإن المراد في الآية و هي مدنية بالحكم الذي نزل في الكتاب هو ما في هذه الآية من سورة الأنعام و هي مكية و لا آية غيرها، و هي تذكر أن الحكم النازل سابقا وجه به إلى المؤمنين، و لازمه أن يكون الخطاب الذي في قوله: {وَ إِذَا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} إلخ موجها إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المقصود به غيره على حد قولهم: إياك أعني و اسمعي يا جارة.
قوله تعالى: {وَ مَا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} إلى آخر الآية. يريد أن الذي يكتسبه هؤلاء الخائضون من الإثم لا يحمل إلا على أنفسهم و لا يتعداهم إلى غيرهم إلا أن يماثلوهم و يشاركوهم في العمل أو يرضوا بعملهم فلا يحاسب بعمل إلا عامله و لكن نذكرهم ذكرى لعلهم يتقون فإن الإنسان إذا حضر مجلسهم و إن أمكنه أن لا يجاريهم فيما يخوضون و لا يرضى بقلبه بعملهم و أمكن أن لا يعد حضوره عندهم إعانة لهم على ظلمهم تأييدا لهم في قولهم لكن مشاهدة الخلاف و معاينة المعصية تهون أمر المعصية عند النفس و تصغر الخطيئة في عين المشاهد المعاين، و إذا هان أمرها أوشك أن يقع الإنسان فيها فإن للنفس في كل معصية هوى و من الواجب على المتقي بما عنده من التقوى و الورع عن محارم الله أن يجتنب مخالطة أهل الهتك و الاجتراء على الله كما يجب على المبتلين بذلك الخائضين في آيات الله لئلا تهون عليه الجرأة على الله و آياته فتقربه ذلك من المعصية فيشرف على الهلكة، و من يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
و من هذا البيان يظهر أولا: أن نفي الاشتراك في الحساب مع الخائضين عن الذين يتقون فحسب مع أن غير العامل لا يشارك العامل في جزاء عمله إنما هو للإيماء إلى أن من شاركهم في مجلسهم و قعد إليهم لا يؤمن من مشاركتهم في جزاء عملهم و المؤاخذة بما يؤاخذون به، فالكلام في تقدير قولنا: و ما على غير الخائضين من حسابهم من شيء إذا كانوا يتقون الخوض معهم و لكن إنما ننهاهم عن القعود معهم ليستمروا على تقواهم من الخوض أو ليتم لهم التقوى و الورع عن محارم الله سبحانه.
و ثانيا: أن المراد بالتقوى في قوله: {وَ مَا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ} التقوى العام و هو الاجتناب و التوقي عن مطلق ما لا يرتضيه الله تعالى، و في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} التقوى

