تفسير الميزان ج۷
140حَدِيثٍ غَيْرِهِ} للدلالة على أن المنهي عنه ليس مطلق مجالستهم و القعود معهم، و لو كان لغرض حق، و إنما المنهي عنه مجالستهم ما داموا مشتغلين بالخوض في آيات الله سبحانه.
و من هنا يظهر أن في الكلام نوعا من إيجاز الحذف فإن تقدير الكلام: و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا يخوضون فيها فأعرض عنهم «إلخ»، فحذفت الجملة المماثلة للصلة استغناء بها عنها، و المعنى - و الله أعلم - و إذا رأيت أهل الخوض و الاستهزاء بآيات الله يجرون على خوضهم و استهزائهم بالآيات الإلهية فأعرض عنهم و لا تدخل في حلقهم حتى يخوضوا في حديث غيره فإذا دخلوا في حديث غيره فلا مانع يمنعك من مجالستهم، و الكلام و إن وقع في سياق الاحتجاج على المشركين لكن ما أشير إليه من الملاك يعممه فيشمل غيرهم كما يشملهم، و قد وقع في آخر الآية قوله: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} فالخوض في آيات الله ظلم و الآية إنما نهت عن مشاركة الظالمين في ظلمهم، و قد ورد في مورد آخر من كلامه تعالى: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} (النساء: ١٤٠).
فقد تبين: أن الآية لا تأمر بالإعراض عن الخائضين في آيات الله تعالى بل إنما تأمر بالإعراض عنهم إذا كانوا يخوضون في آيات الله ما داموا مشتغلين به.
و الضمير في قوله: {غَيْرِهِ} راجع إلى الحديث الذي يخاض فيه في آيات الله باعتبار أنه خوض و قد نهي عن الخوض في الآية.
قوله تعالى: {وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} و {إِمَّا} في قوله: {إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ} زائد يفيد نوعا من التأكيد أو التقليل و النون للتأكيد، و الأصل و إن ينسك، و الكلام في مقام التأكيد و التشديد للنهي أي حتى لو غفلت عن نهينا بما أنساكه الشيطان ثم ذكرت فلا تهاون في القيام عنهم و لا تلبث دون أن تقوم عنهم فإن الذين يتقون ليس لهم أي مشاركة للخائضين اللاعبين بآيات الله المستهزئين بها.
و الخطاب في الآية للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المقصود غيره من الأمة فقد تقدم في البحث عن عصمة الأنبياء (عليه السلام) ما ينفي وقوع هذا النوع من النسيان و هو نسيان حكم إلهي و مخالفته عملا بحيث يمكن الاحتجاج بفعله على غيره و التمسك به نفسه عنهم (عليه السلام) .
و يؤيد ذلك عطف الكلام في الآية التالية إلى المتقين من الأمة حيث يقول: {وَ مَا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} إلى آخر الآية.

