تفسير الميزان ج۷
138و تحزب يستتبع سيفا و سوطا من بعضكم على بعض، ثم خوطب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقيل: إن قومك كذبوا بذلك فليستعدوا لعذاب بئيس أو بأس شديد يذوقونه.
و من هنا يظهر أولا: أن الضمير في قوله: {وَ كَذَّبَ بِهِ} راجع إلى العذاب كما نسبه الآلوسي إلى غالب المفسرين، و ربما قيل: إنه عائد إلى تصريف الآيات أو إلى القرآن و هو بعيد، و ليس من البعيد أن يرجع إلى النبإ باعتبار ما تشتمل عليه الآية السابقة.
و ثانيا: أن هذا الخبر أعني قوله: {وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ} بحسب ما يعطيه المقام في معنى ذكر أول خبر يمهد الطريق لنبإ موعود كأنه قيل: يجب على أمتك أن يجتمعوا على الإيمان بالله و آياته و يكونوا على تحرز و تحذر من أن يتسرب إليهم الكفر بالله و آياته و يدب فيهم اختلاف حتى لا ينزل عليهم عذاب الله سبحانه ثم قيل: إن قومك من بين جميع أمتك و من عاصرك أو جاء من بعدك من أهل الدنيا بادروا إلى نقض ما كان يجب عليهم أن يبرموه و كذبوا النبأ فانثلم بذلك الأمر فسوف يعلمون ذلك أن المكذبين للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو للقرآن أو لهذا العذاب ليسوا هم الأعراب خاصة و هم قومه (صلى الله عليه وآله و سلم) بل كذبته اليهود و أمم من غيرهم في زمانه و بعده و كان تكذيبهم و اختلافهم جميعا ذا أثر مثبت في ما هددوا به من العذاب فتخصيص تكذيب قومه بالذكر و الحال هذه يفيد ما ذكرناه.
و البحث التحليلي عن نفسية المجتمع الإسلامي يؤيد هذا الذي استفدناه من الآية فإن ما ابتليت به الأمة الإسلامية اليوم من الانحطاط في نفسيتهم و الوهن في قوتهم و التشتت في كلمتهم ينتهي بحسب التحليل إلى ما نشأت من الاختلافات و المشاجرات في الصدر الأول بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ثم يصعد ذلك إلى حوادث أول الهجرة و قبل الهجرة مما لقيه النبي من قومه، و ما جبهوه به من التكذيب و تسفيه الرأي.
و هؤلاء و إن تجمعوا حول راية الدعوة الإسلامية و استظلوا بظلها بعد ما ظهرت كلمة الحق و أنارت مشعلته لكن المجتمع الطيب الديني لم يصف من خبث النفاق، و قد نطقت آيات جمة من القرآن الكريم بذلك، و كان أهل النفاق لا يستهان بعددهم و من المحال أن يسلم بنية المجتمع من سيء أثرهم في نفسية أجزائه و لم يقدر على هضمهم هضما تاما يحيلهم إلى أعضاء صالحة في المجتمع مدى حياة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و لم يمكث وقودهم دون أن اشتعل ثم زاد اشتعالا و لم يزل، و الجميع يرجع إلى ما بدأ منه، و كل الصيد في جوف الفراء.

