تفسير الميزان ج۷
137قوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} ظاهره أنه أريد به التحزبات التي نشأت بعد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، فأدى ذلك إلى حدوث مذاهب متنوعة ألبست لباس العصبية و الحمية الجاهلية و استتبعت حروبا و مقاتل يستبيح كل فريق من غيره كل حرمة و يطرده بمزعمته من حرمة الدين و بيضة الإسلام.
و على هذا فقوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ} إلخ، عذاب واحد لا عذابان و إن أمكن بوجه عد كل من إلقاء التفرق في الكلمة و إذاقة البعض بأس بعض عذابا مستقلا برأسه فللتفرقة بين الأمة أثر سوء آخر و هو طرو الضعف و نفاد القوة و تبعض القدرة لكن المأخوذ في الآية المعدود عذابا أعني قوله: {وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ} إلخ، حينئذ بالنسبة إلى مجرد إلقاء الاختلاف بمنزلة المقيد بالنسبة إلى المطلق، و لا يحسن مقابلة المطلق بالمقيد إلا بعناية زائدة في الكلام، على أن العطف بواو الجمع يؤيد ما ذكرناه.
فبالجملة معنى الآية: قل يا رسول الله مخاطبا لهم منذرا لهم عاقبة استنكافهم عن الاجتماع تحت لواء التوحيد و استماع دعوة الحق إن لشأنكم هذا عاقبة سيئة في قدرة الله سبحانه أن يأخذكم بها و هو أن يبعث عليكم عذابا لا مفر لكم منه و لا ملاذ تلوذون به و هو العذاب من فوقكم أو من تحت أرجلكم، أو أن يضرب بعضكم ببعض فتكونوا شيعا و فرقا مختلفين متنازعين و متحاربين فيذيق بعضكم بأس بعض، ثم تمم البيان بقوله خطابا لنبيه: {اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}، و المعنى ظاهر.
قوله تعالى: {وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} قوم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) هم قريش أو مضر أو عامة العرب و المستفاد من فحوى بعض كلامه تعالى في موارد أخر أن المراد بقومه (صلى الله عليه وآله و سلم) هم العرب كقوله: {وَ لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلى بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ اَلْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا اَلْعَذَابَ اَلْأَلِيمَ فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} (الشعراء: ٢٠٢) و قوله: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: ٤).
و كيف كان فقوله: {وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ} بمنزلة التمهيد لتحقيق النبإ الذي يتضمنه الإنذار السابق كأنه قيل: يا أيتها الأمة اجتمعوا في توحيد ربكم و اتفقوا في اتباع كلمة الحق و إلا فلا مؤمن يؤمنكم عذابا يأتيكم من فوق أو من تحت أو من اختلاف

