تفسير الميزان ج۷
135و قد أضيف في هذه الآية كل كرب إلى ظلمات البر و البحر ليعم الجميع فإن إنسانا ما لا يخلو في مدى حياته من شيء من الكروب و الغموم فالمسألة و الدعاء عام فيهم سواء أعلنوا به أو أسروا.
فملخص المراد بالآية أنكم في الشدائد النازلة بكم في ظلمات البر و البحر و غيرها إذا انقطعتم عن الأسباب الظاهرة و أعيت بكم الحيل تشاهدون بالرجوع إلى فطرتكم الإنسانية أن الله سبحانه هو ربكم لا رب سواه و تجزمون أن عبادتكم لغيره ظلم و إثم و الشاهد على ذلك أنكم تدعونه حينئذ تضرعا و خفية، و تعدونه أن تشكروه بعد ذلك و لا تكفروا به إن أنجاكم لكنكم بعد الإنجاء تنقضون ميثاقكم الذي واثقتموه به و تستمرون على سابق كفركم، ففي الآيتين احتجاج على المشركين و توبيخ لهم على حنث اليمين و خلف الوعد.
قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ} إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات: أصل البعث إثارة الشيء و توجيهه يقال: بعثته فانبعث، و يختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به فبعثت البعير أثرته و سيرته، و قوله عز و جل: {وَ اَلْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ} أي يخرجهم و يسيرهم إلى القيامة -إلى أن قال- فالبعث ضربان: بشري كبعث البعير و بعث الإنسان في حاجة، و إلهي و ذلك ضربان: أحدهما: إيجاد الأعيان و الأجناس و الأنواع عن ليس و ذلك يختص به الباري تعالى و لم يقدر عليه أحد، و الثاني إحياء الموتى و قد خص بذلك بعض أوليائه كعيسى (عليه السلام) و أمثاله، انتهى.
و بالجملة في لفظه شيء من معنى الإقامة و الإنهاض، و بهذه العناية يستعمل في التوجيه و الإرسال لأن التوجيه إلى حاجة و الإرسال نحو قوم يكون بعد سكون و خمود غالبا، و على هذا فبعث العذاب لا يخلو من إشعار على أنه عذاب من شأنه أن يتوجه إليهم و يقع بهم، و إنما يمنع عن هذا الاقتضاء مانع كالإيمان و الطاعة، و للكلام تتمة سنوافيك.
و قال في المجمع: لبست عليهم الأمر ألبسه إذا لم أبينه و خلطت بعضه ببعض و لبست الثوب ألبسه، و اللبس اختلاط الأمر و اختلاط الكلام، و لابست الأمر خالطته، و الشيع الفرق، و كل فرقة شيعة على حدة، و شيعة فلان تبعته، و التشيع الاتباع على وجه التدين و الولاء، انتهى.
و على هذا فالمراد بقوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أن يضرب البعض بالبعض و يخلط

