تفسير الميزان ج۷
129هو، و أما أنه أعلم بالظالمين و لا يخطئهم إلى غيرهم فلأنه يعلم ما في البر و البحر و يعلم كل دقيق و جليل، و الكل في كتاب مبين.
فقوله تعالى: {وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ اَلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} راجع إلى الغيب المطلق الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه، و قوله: {لاَ يَعْلَمُهَا} «إلخ» حال و هو يدل على أن مفاتح الغيب من قبيل العلم غير أن هذا العلم من غير سنخ العلم الذي نتعارفه فإن الذي يتبادر إلى أذهاننا من معنى العلم هو الصورة المأخوذة من الأشياء بعد وجودها و تقدرها بأقدارها و مفاتح الغيب كما تبين علم بالأشياء و هي غير موجودة و لا مقدرة بأقدارها الكونية أي علم غير متناه من غير انفعال من معلوم.
و قوله: {وَ يَعْلَمُ مَا فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ} تعميم لعلمه بما يمكن أن يتعلق به علم غيره مما ربما يحضر بعضه عند بعض و ربما يغيب بعضه عن بعض، و إنما قدم ما في البر لأنه أعرف عند المخاطبين من الناس.
و قوله: {وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} اختص بالذكر لأنه مما يستصعب الإنسان حصول العلم به لأن الكثرة البالغة التي في أوراق الأشجار تعجز الإنسان أن يميز معها بعضها من بعض فيراقب كلا منها فيما يطرأ عليه من الأحوال، و يتنبه على انتقاصها بالساقط منها إذا سقط.
و قوله: {وَ لاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ اَلْأَرْضِ وَ لاَ رَطْبٍ وَ لاَ يَابِسٍ} إلخ، معطوفات على قوله: {مِنْ وَرَقَةٍ} على ظاهر السياق، و المراد بظلمات الأرض بطونها المظلمة التي تستقر فيها الحبات فينمو منها ما ينمو و يفسد ما يفسد فالمعنى: و لا تسقط من حبة في بطون الأرض المظلمة و لا يسقط من رطب و لا من يابس أيا ما كانا إلا يعلمها، و على هذا فقوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} بدل من قوله: {إِلاَّ يَعْلَمُهَا} سد مسده، و تقديره إلا هو واقع مكتوب في كتاب مبين.
و توصيف الكتاب بالمبين إن كان بمعنى المظهر إنما هو لكونه يظهر لقارئه كل شيء على حقيقة ما هو عليه من غير أن يطرأ عليه إبهام التغير و التبدل و سترة الخفاء في شيء من نعوته، و إن كان المبين بمعنى الظاهر فهو ذلك أيضا لأن الكتاب في الحقيقة هو المكتوب، و المكتوب هو المحكي عنه، و إذا كان ظاهرا لا سترة عليه و لا خفاء فيه فالكتاب كذلك.

