تفسير الميزان ج۷
124لأنكم ظالمون و العذاب الإلهي لا يعدو الظالمين إلى غيرهم، و في الجملة إشارة إلى ما تقدم من قوله تعالى: {قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلظَّالِمُونَ}(محمد: ٤٧).
قوله تعالى: {وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ اَلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} إلى آخر الآية. ذكروا في وجه اتصال الآية بما قبلها أن الآية السابقة لما ختمت بقوله: {وَ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} زاد الله سبحانه في بيانه فذكر أن خزائن الغيب أو مفاتيح تلك الخزائن عنده سبحانه لا يعلمها إلا هو، و يعلم كل دقيق و جليل.
و هذا الوجه لا يتضح به معنى الحصر الذي يدل عليه قوله: {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} فالأولى أن يوجه الاتصال بما يشتمل عليه مجموع الآيتين السابقتين أعني قوله: {قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} - إلى قوله - {وَ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} حيث يدل المجموع على أن ما كانوا يقترحونه من الآية و ما يستتبعه من الحكم الفصل و القضاء بينه و بينهم إنما هو عند الله لا سبيل إليه لغيره فهو العالم بذلك الحاكم به، و لا يغلط في حكمه الفصل و تعذيب الظالمين لأنه أعلم بهم فهو عالم بالغيب لا يشاركه فيه غيره، و عالم بكل ما جل و دق لا يضل و لا ينسى، ثم زاد ذلك بيانا بقوله: «و عنده مفاتح الغيب» (الآية) فبين به اختصاصه تعالى بعلم الغيب و شمول علمه كل شيء، ثم تمم البيان بالآيات الثلاث التي تتلوها.
و بذلك تصير الآيات جارية مجرى ما سيقت إليه نظائرها في مثل المورد كقوله تعالى في قصة هود و قومه: {قَالُوا أَ جِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصَّادِقِينَ. قَالَ إِنَّمَا اَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللَّهِ وَ أُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ}(الأحقاف: ٢٣).
ثم نقول: المفاتح جمع مفتح بفتح الميم و هو الخزينة، و ربما احتمل أن يكون جمع مفتح بكسر الميم و هو المفتاح، و يؤيده ما قرئ شاذا: «و عنده مفاتيح الغيب» و مآل المعنيين واحد فإن من عنده مفاتيح الخزائن هو عالم بما فيها قادر على التصرف فيها كيف شاء عادة كمن عنده نفس الخزائن إلا أن سائر كلامه تعالى فيما يشابه هذا المورد يؤيد المعنى الأول فإنه تعالى كرر في كلامه ذكر خزائنه و خزائن رحمته و ذلك في سبعة مواضع و لم يذكر لها مفاتيح في شيء من كلامه قال تعالى: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ} (الطور: ٣٧) و قال: {لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اَللَّهِ} (الأنعام: ٥٠) و قال: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} (الحجر: ٢١) و قال: {وَ لِلَّهِ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}

