تفسير الميزان ج۷
122أحدهما: أن الأمر في نفسه أعظم من ذلك و أعظم فإن ذلك كله معارف مأخوذة من مواد الآراء الاجتماعية و هي في الحقيقة لا تتعدى طور الاجتماع، و لا ترقى إلى عالم السماء كما قال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الزخرف: ٤) و قال في مثل ضربه: {أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنَّارِ اِبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبَاطِلَ} (الآية) (الرعد: ١٧) و قال (صلى الله عليه وآله و سلم): إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب و السنة.
و ليس معنى هذا البحث نفي الحسن و المصلحة مثلا عن أفعاله تعالى بمعنى إثبات ما يقابله حتى يستتبع ذلك إثبات القبح و المفسدة أو سقوط أفعاله عن الاعتبار العقلائي كأفعال الصبيان تعالى عن ذلك كما أن نفي البصر بمعنى الجارحة عن العقل لا يوجب إثبات العمى له أو سقوطه عن مرتبة الإدراك بل تنزيه عن النقص.
و ثانيهما: أن جهات الحسن و مزايا المصالح و إن كانت تعلل بها أفعاله تعالى و شرائع أحكامه و تبين بها وظائف العبودية كما تعلل بها ما عندنا من الأحكام و الأعمال العقلائية إلا أن بين البابين فرقا و هو أنها في جانبنا حاكمة على الإرادة مؤثرة في الاختيار فنحن بما أنا عقلاء إذا وجدنا فعلا ذا صفة حسن مقارنا لمصلحة غير مزاحمة بعثنا ذلك إلى اقتراف العمل و إذا وجدنا حكما على هذا النعت لم نتردد في تقنينه و حكمنا به و أجريناه في مجتمعنا مثلا.
و ليست هذه الوجوه و العلل أعني جهات الحسن و المصلحة إلا معاني أخذناها من سنة التكوين و الوجود الخارجي الذي هو منفصل من أذهاننا مستقل دوننا فأردنا في اختيار الأعمال الحسنة ذوات المصلحة أن لا نخبط في مسيرنا و تنطبق أعمالنا على سنة التكوين و تقع في صراط الحقيقة، فهذه الجهات و المصالح معان منتزعة من خارج الأعيان متفرعة عليه، و أعمالنا متفرعة على هذه الجهات محكومة لها متأثرة عنها، و الكلام في أحكامنا المجعولة لنا نظير الكلام في أعمالنا.
و أما فعله تعالى فهو نفس الكون الخارجي و الوجود العيني الذي كنا ننتزع منه وجوه الحسن و المصلحة و كانت تتفرع عليه بما أنها انتزعت منه فكيف يمكن أن يعد فعله تعالى متفرعا عليها محكوما لها متأثرا عنها، و كذلك أحكامه تعالى المشرعة تستتبع الواقع لا أنها

