تفسير الميزان ج۷
121فترانا نعتقد أن العدل حسن كما أن الورد حسن جميل، و الظلم قبيح شاءه كما أن الميتة المنتنة كذلك، و أن المال لنا كما أن أعضاءنا لنا، و العمل الكذائي واجب كما أن الآثار واجبة لعللها التامة، و على هذا القياس، و لذلك ترى أن هذه الآراء تختلف بين الأقوام إذا اختلفت مقاصد مجتمعاتهم فترى هؤلاء يحسنون ما يقبحه آخرون و تجد طائفة تلغي من الأحكام ما تعتبره أخرى، و تلفى أمة تنكر ما تعرفه أمة أو تعجبها ما يستشنعه غيرها، و ربما تترك سنة مأخوذة ثم تؤخذ ثم تترك في أمة واحدة على نسق الدوران بحسب مراحل السير الاجتماعي و مساسه بلوازم الحياة، هذا في المقاصد التي تختلف في المجتمعات، و أما المقاصد العامة التي لا يختلف فيه اثنان كأصل الاجتماع و العدل و الظلم و نحو ذلك فما لها من وصف الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة و غيرها لا تختلف البتة و لا يختلف فيه، هذا فيما يرجع إلينا.
و الله سبحانه لما قلب دينه في قالب السنن العامة الاجتماعية اعتبر في بيانه المعارف الحقيقية المسبوكة في قالب السنن الاجتماعية ما نعتبره نحن في مسير حياتنا فأراد منا أن نفكر فيما يرجع إلى معارفه، و نتلقى ما يلقيه إلينا من الحقائق كما نفكر و نتلقى ما عندنا من سنن الحياة فعد نفسه ربا معبودا، و عدنا عبادا مربوبين، و ذكرنا أن له دينا مؤلفا من عقائد أصلية و قوانين عملية تستعقب ثوابا و عقابا و أن في اتباعه صلاح حالنا، و حسن عاقبتنا، و سعادة جدنا على نحو المسلك الذي نسلكه في آرائنا الاجتماعية.
فهناك عقائد أصلية يجب علينا أن نعتقد بها و نلزمها، و هناك وظائف عملية و قوانين إلهية في العبادات و المعاملات و السياسات يجب علينا أن نعمل بها و نراعيها كما أن الأمر في جميع المجتمعات الإنسانية على ذلك.
و هذا هو الذي يسوغ لنا أن نبحث عن المعارف الدينية اعتقادية أو عملية كما نبحث عن المعارف الاجتماعية اعتقادية أو عملية، و أن نستند في المعارف الدينية من الآراء العقلية و القضايا العملية بعين ما نستند إليه في المعارف الاجتماعية فالله سبحانه لا يختار لعباده من الوظائف و التكاليف إلا ما فيه المصلحة التي تصلح شأنهم في دنياهم و آخرتهم، و لا يأمر إلا بالحسن الجميل، و لا ينهى إلا عن القبيح الشائه الذي فيه فساد دين أو دنيا، و لا يفعل إلا ما يؤثره العقل، و لا يترك إلا ما ينبغي أن يترك.
إلا أنه تعالى ذكرنا مع ذلك بأمرين:

