تفسير الميزان ج۷
117و لعل ذلك مراعاة لحرمة جانبه تعالى لإشعار الصفة بنوع من الاستقلال الذي لا مسوغ لنسبته إلى هذه الأسباب المتوسطة كما أن القضاء و الأمر التكوينيين كذلك، و نظيرتها في ذلك ألفاظ البديع و البارئ و الفاطر و ألفاظ أخر يجري مجراها في الإشعار بمعاني تنبئ عن نوع من الاختصاص، و إنما كف عن استعمالها في غير مورده تعالى رعاية لحرمة ساحة الربوبية.
[بيان]
و لنرجع إلى ما كنا فيه من تفسير الآية فقوله تعالى: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أريد بالحكم فيه القضاء التكويني، و الجملة تعليل للنفي في قوله: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} و المعنى على ما يعطيه السياق أن الحكم لله وحده و ليس إلي أن أقضي بيني و بينكم، و هو الذي تستعجلون به باستعجالكم بما تقترحون علي من الآية.
و على هذا فقوله: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} مستعمل استعمال الكناية كأنهم باقتراحهم إتيان آية أخرى غير القرآن كانوا يقترحون عليه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يقضي بينه و بينهم و لعل هذا هو السر في تكرار لفظ الموصول و الصلة في الآية التالية حيث يقول تعالى: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} و كان مقتضى ظاهر السياق أن يقال: لو أن عندي ذلك، و ذلك أنه أريد بقوله: {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} في الآية الأولى لازم الآية و هو القضاء بينه و بينهم على ما جرت به السنة الإلهية، و في الآية الثانية نفس الآية، و من المحتمل أيضا أن يكون أمر الكناية بالعكس من ذلك فيكون المراد بما تستعجلون به هو القضاء بالصراحة في الآية الأولى، و الآية بالتكنية في الآية الثانية.
و قوله: {يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفَاصِلِينَ} قرأ عاصم و نافع و ابن كثير من السبعة بالقاف و الصاد المهملة من القص و هو قطع شيء و فصله من شيء و منه قوله تعالى: {وَ قَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} (القصص: ١١) و قرأ الباقون بالقاف و الضاد المعجمة من القضاء، و قد حذف الياء من الرسم على حد قوله تعالى: {فَمَا تُغْنِ اَلنُّذُرُ} (القمر: ٥) و لكن من القراءتين وجه، و مآلهما من حيث المعنى واحد فإن قص الحق و فصله من الباطل لازم القضاء و الحكم بالحق و إن كان قوله: {وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفَاصِلِينَ} أنسب مع القص بمعنى الفصل.
و أما أخذ قوله {يَقُصُّ اَلْحَقَّ} من القص بمعنى الإخبار عن الشيء أو بمعنى تتبع الأثر على ما احتمله بعض المفسرين فمما لا يلائم المورد:

