تفسير الميزان ج۷
116التأثير في الوجود لله سبحانه وحده لا شريك له، و إن كان الانتساب مختلفا باختلاف الأشياء غير جار على وتيرة واحدة كما ترى أنه تعالى ينسب الخلق إلى نفسه ثم ينسبه في موارد مختلفة إلى أشياء مختلفة بنسب مختلفة، و كذلك العلم و القدرة و الحياة و المشية و الرزق و الحسن إلى غير ذلك، و بالجملة لما كان التأثير له تعالى كان الحكم الذي هو نوع من التأثير و الجعل له تعالى سواء في ذلك الحكم في الحقائق التكوينية أو في الشرائع الوضعية الاعتبارية، و قد أيد كلامه تعالى هذا المعنى كقوله: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} (الأنعام: ٥٧ يوسف: ٦٧) و قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ اَلْحُكْمُ} (الأنعام: ٦٢) و قوله: {لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلْأُولى وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُ اَلْحُكْمُ} (القصص: ٧٠) و قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} (الرعد: ٤١) و لو كان لغيره تعالى حكم لكان له أن يعقب حكمه و يعارض مشيته، و قوله: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ اَلْعَلِيِّ اَلْكَبِيرِ} (المؤمن: ١٢) إلى غير ذلك، فهذه آيات خاصة أو عامة تدل على اختصاص الحكم التكويني به تعالى.
و يدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى قوله: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ}(يوسف: ٤٠) فالحكم لله سبحانه لا يشاركه فيه غيره على ظاهر ما يدل عليه ما مر من الآيات غير أنه تعالى ربما ينسب الحكم و خاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره كقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (المائدة: ٩٥) و قوله لداود (عليه السلام): {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ} (ص: ٢٦) و قوله للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم): {أَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ} (المائدة: ٤٩) و قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ} (المائدة: ٤٨) و قوله: {يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ} (المائدة: ٤٤) إلى غير ذلك من الآيات و ضمها إلى القبيل الأول يفيد أن الحكم الحق لله سبحانه بالأصالة و أولا لا يستقل به أحد غيره، و يوجد لغيره بإذنه و ثانيا، و لذلك عد تعالى نفسه أحكم الحاكمين و خيرهم لما أنه لازم الأصالة و الاستقلال و الأولية فقال: {أَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَحْكَمِ اَلْحَاكِمِينَ} (التين: ٨) و قال {وَ هُوَ خَيْرُ اَلْحَاكِمِينَ} (الأعراف: ٨٧).
و الآيات المشتملة على نسبة الحكم إلى غيره تعالى بإذن و نحوه كما ترى تختص بالحكم الوضعي الاعتباري، و أما الحكم التكويني فلا يوجد فيها - على ما أذكر - ما يدل على نسبته إلى غيره و إن كانت معاني عامة الصفات و الأفعال المنسوبة إليه تعالى لا تأبى عن الانتساب إلى غيره نوعا من الانتساب بإذنه و نحوه كالعلم و القدرة و الحياة و الخلق و الرزق و الإحياء و المشية و غير ذلك في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.

