تفسير الميزان ج۷
114ثم أشار إلى ملاك النهي عنها بقوله: {قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} و هو أن عبادتهم اتباع للهوى و قد نهي عنه ثم أشار بقوله: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ مَا أَنَا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ} إلى سبب الاستنكاف عن اتباع الهوى و هو الضلال و الخروج عن جماعة المهتدين و هم الذين اتصفوا بصفة قبول هداية الله سبحانه، و عرفوا بذلك، فاتباع الهوى ينافي استقرار صفة الاهتداء في نفس الإنسان، و يمانع إشراق نور التوحيد على قلبه إشراقا ثابتا ينتفع به.
و قد تلخص بذلك كله بيان تام معلل للنهي أو الانتهاء عن عبادة أصنامهم، و هو أن في عبادتها اتباعا للهوى، و في اتباع الهوى الضلال و الخروج عن صف المهتدين بالهداية الإلهية.
قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ} إلى آخر الآية. البينة هو الدلالة الواضحة من البيان و هو الوضوح، و الأصل في معنى هذه المادة هو انعزال شيء عن شيء و انفصاله عنه بحيث لا يتصلان و لا يختلطان، و منه البين و البون و البينونة و غير ذلك، قد سميت البينة بينة لأن الحق يبين بها عن الباطل فيتضح و يسهل الوقوف عليه من غير تعب و مئونة.
و المراد بمرجع الضمير في قوله: {وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ} هو القرآن و ظاهر السياق أن يكون التكذيب إنما تعلق بالبينة التي هو (صلى الله عليه وآله و سلم) عليها على ما هو ظاهر اتصال المعنى، و يؤيده قوله بعده: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} إلخ، فإن المحصل من الكلام مع انضمام هذا الذيل: أن الذي أيد الله به رسالتي من البينات و هو القرآن تكذبون به، و الذي تقترحونه علي و تستعجلون به من الآيات ليس في اختياري و لا مفوضا أمره إلي فليس بيننا ما نتوافق فيه لما أني أوتيت ما لا تريدون و أنتم تريدون ما لم أوت.
فمن هنا يظهر أن الضمير المجرور في قوله: {وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ} راجع إلى البينة لكون المراد به القرآن، و أن قوله: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أريد به نفي التسلط على ما يستعجلون به بالتكنية فإن الغالب فيما يقدر الإنسان عليه و خاصة في باب الإعطاء و الإنفاق أن يكون ما يعطيه و ينفقه حاضرا عنده أو مذخورا لديه و تحت تسلطه ثم ينفق منه ما ينفق فقد أريد بقوله: {مَا عِنْدِي} نفي التسلط و القدرة من باب نفي الملزوم بنفي اللازم.
و قوله: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} إلخ، بيان لسبب النفي، و لذلك جيء فيه بالنفي

