تفسير الميزان ج۷
107مُشْرِكِينَ}، يقول الله: {اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ألا إن لكل أمة مجوسا و مجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر و يزعمون أن المشية و القدرة إليهم و لهم.
قال في البرهان، عند نقل الحديث: و في نسخة أخرى من تفسير علي بن إبراهيم في الحديث هكذا: قال: فقال: ألا إن لكل أمة مجوسا، و مجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر و يزعمون أن المشية و القدرة ليست لهم و لا عليهم، و في نسخة ثالثة، يقولون: لا قدر و يزعمون أن المشية و القدرة ليست إليهم و لا لهم، انتهى.
أقول: مسألة القدر من المسائل التي وقع الكلام فيها في الصدر الأول فأنكر القدر - و هو أن لإرادة الله سبحانه تعلقا ما بأعمال العباد - قوم و أثبتوا المشية و القدرة المستقلتين للإنسان في فعله و أنه هو الخالق له المستقل به، و سموا بالقدرية أي المتكلمين في القدر، و قد روى الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، و انطباقه عليهم واضح فإنهم يثبتون للأعمال خالقا هو الإنسان و لغيرها خالقا هو الله سبحانه و هو قول الثنوية و هم المجوس بإلهين اثنين: خالق للخير، و خالق للشر.
و هناك روايات أخر عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و عن أئمة أهل بيته (عليهم السلام ) تفسر الرواية بالمعنى الذي تقدم، و تثبت أن هناك قدرا و أن لله مشية في أفعال عباده كما يثبته القرآن.
و قد أول المعتزلة و هم النافون للقدر الرواية بأن المراد بالقدرية المثبتون للقدر، و هم كالمجوس في إسنادهم الخير و الشر كله إلى خالق غير الإنسان، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك، و سيجيء استيفاؤه إن شاء الله تعالى.
و مما ذكرنا يظهر أن الجمع بين القول بأنه لا قدر، و القول بأنه ليست المشية و القدرة للإنسان و لا إليه جمع بين المتنافيين فإن القول بنفي القدر يلازم القول باستقلال الإنسان بالمشية و الاستطاعة، و القول بالقدر يلازم القول بنفي استقلاله بالمشية و القدرة.
و على هذا فما وقع في النسختين من الجمع بين قولهم: لا قدر، و قولهم: إن المشية و القدرة ليست لهم و لا إليهم ليس إلا من تحريف بعض النساخ، و قد اختلط عليه المعنى حيث حفظ قوله: «لا قدر» و غير الباقي.
و في الدر المنثور أخرج أحمد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن المنذر و الطبراني في

