تفسير الميزان ج۷
104الامتحان، و السياق يدل على أن الاستفهام في قوله: {أَ هَؤُلاَءِ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} للتهكم و الاستهزاء، و معلوم أنهم لا يسخرون إلا ممن يستحقرون أمره و يستهينون موقعه من المجتمع، و لم يكن ذلك إلا لفقرهم و مسكنتهم و انحطاط قدرهم عند الأقوياء و الكبرياء منهم.
فالله سبحانه يخبر نبيه أن هذا التفاوت و الاختلاف إنما هو محنة إلهية يمتحن بها الناس ليميز به الكافرين من الشاكرين، فيقول أهل الكفران و الاستكبار في الفقراء المؤمنين: {أَ هَؤُلاَءِ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} فإن السنن الاجتماعية عند الناس توصف بما عند المستن بها من الشرافة و الخسة، و كذا العمل يوزن بما لعامله من الوزن الاجتماعي فالطريقة المسلوكة عند الفقراء و الأذلاء و العبيد يستذلها الأغنياء و الأعزة، و العمل الذي أتى به مسكين أو الكلام الذي تكلم به عبد أو أسير مستذلا لا يعتني به أولو الطول و القوة.
فانتحال الفقراء و الأجراء و العبيد بالدين، و اعتناء النبي بهم و تقريبه إياهم من نفسه كالدليل عند الطغاة المستكبرين من أهل الاجتماع على هوان أمر الدين و أنه دون أن يلتفت إليه من يعتني بأمره من الشرفاء و الأعزة.
و قوله تعالى: {أَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} جواب عن استهزائهم المبني على الاستبعاد، بقولهم: {أَ هَؤُلاَءِ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} و محصله أن هؤلاء شاكرون لله دونهم و لذلك قدم هؤلاء لمنه و أخرهم فكنى سبحانه عن ذلك بأن الله أعلم بالشاكرين لنعمته أي إنهم شاكرون، و من المسلم أن المنعم إنما يمن و ينعم على من يشكر نعمته و قد سمى الله تعالى توحيده و نفي الشريك عنه شكرا في قوله حكاية عن قول يوسف (عليه السلام): {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى اَلنَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ:»}(يوسف: ٣٨).
فالآية تبين أنهم بجهالتهم يبنون الكرامة و العزة على التقدم في زخارف الدنيا من مال و بنين و جاه، و لا قدر لها عند الله و لا كرامة، و إنما الأمر يدور مدار صفة الشكر و النعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهية.
قوله تعالى: {وَ إِذَا جَاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} إلى آخر الآية،

